الواقع والتوقعات‎

الواقع والتوقعات‎
الكاتب : صابر العبادي

ربّت الجد على كتف حفيده وقال: إياك يا بني أن تجعل سقف توقعاتك عاليا. قال الحفيد وما المشكلة في ذلك! أليس هذا من التفاؤل المطلوب. الجد: التفاؤل شيء آخر، فالتفاؤل يتعلق بأمر أنت تنتظره وبذلت جهدا في تحقيقه ثم صرت تنتظر نتائج مرتفعة بتفاؤل، أما التوقعات فأنت لا تبذل جهدا فقط تتوقع أن تأتي نتائج أمر أنت تتابعه أو تراقبه عالية، مع أنك ليس لك يد في حصوله أو تدخلت في حيثياته، فقط أنت تتفاءل وتتوقع نتائج حسنة، خاصة إذا كان عندك نقص في المعلومات، ولست مطلعا على جميع جوانب الواقع الذي تبني عليه توقعاتك..

 
الحفيد: إذن أين يكمن الخطر في ذلك؟ قال الجد: الخوف عندما تجد الواقع منخفضا جدا وصادما، أمام سقف توقعاتك المرتفع جدا!!.
 
تَفكّر الشاب في كلام جده واستعرض جميع المواقف التي عايشها والتي سمع عنها، الفردية والجماعية التي تتعلق بالاقتصاد أو بالسياسة أو أي أمر آخر يمكن أن يعايشه الإنسان على المستوى الشخصي أو الجماعي أو الوطني أو على مستوى الأمة. وهاله ما تعانيه الأمة من أمراض نفسية جراء هذا الذي تحدث عنه الجد، فكم وُضِعت الأمة أو الوطن في أحوال جعلت سقف توقعاتها عاليا ثم عندما اصطدمت بالواقع المخيب للآمال أصابتها خيبة أمل عميقة لا يمكن أن تخرج منها بسهولة ما دام واقعنا الحالي مسيطر، والغريب أننا نتعامل معه على أنه صديق متعثر وغير قادر على مجابهة الضغوط، مع أنه غول في ثياب صديق، كشر عن أنيابه مرارا ونهشنا، ونحن نصر على أنه الصديق المخلص المتعثر وإذا ساعدناه سيقال من عثرته.
 
انتبه الشاب من أفكاره وإذا بالجد يقف فوق رأسه وكأنه ينظر الى أفكاره التي راودته، وقال نعم ومنذ النكبة وعندما قال عبد الناصر "تجوع يا سمك"، مرورا بالنكسة والحروب التي ما زادت اسرائيل إلا تمكينا، الى حرب أميركا على العراق ورفع سقف توقعات العرب الى السماء ثم تمريغها بالأرض، الى معاهدات السلام وتوقعاتها المرتفعة وواقعها المذل و"يا جبل ما يهزك ريح"، الى ترمب وكوشنر.... قاطعه الشاب مذهولا: جدي هم من كانوا يرفعون سقف توقاتنا وهم من يمرغها في التراب، ونحن في منتهى السذاجة!!
 
الجد: وما زالوا يمارسون اللعبة نفسها ونحن نمارس السذاجة ذاتها، وننتظر نتائج غير مخيبة الآمال...!!