عاجل

الملك يزيح الستار عن مشروع تلفريك عجلون

إنَّه البحث العلمي يا فهيم

 إنَّه البحث العلمي يا فهيم
الكاتب : أ. د. محمد تركي بني سلامة
 في عام (2008م )، زعيم حزب شاس وهو حزب إسرائيلي صهيوني ديني أرثوذكسي متطرف ، يشترط على رئيس الحكومة المكلف، مضاعفة الميزانية المخصصة للبحث العلمي لقاء المشاركة في حكومة ائتلافيه."
" في عام 2019، وزير المالية الأردني يرفض اقتراح تقدمت به جامعة اليرموك لتعديل تعليمات أجور النقل للباحثين والتي تقدر بــــــــــ (5) بخمسة قروش للكيلو متر الواحد بحدٍ أعلى مقدراه (50 ) خمسون دينار في الشهر، والتي وضعت عام (1981م )."
 
قد يبدو الفارق الزمني بين الموقفين السابقين بحدود عشرة سنوات، لكنه في الواقع العملي أكثر بكثير. فالاحتلال يصنف من أول عشرة دول في العالم في الإنفاق على البحث العلمي، وتثمر نتائج هذا الإنفاق على البحث العلمي، والإستثمار في التعليم بشكل واضح. والاحتلال البالغ تعداد سكانه أقل من عشرة مليون نسمة، لديه ثلاث جامعات من أفضل مائة جامعة في العالم، والأمة الإسلامية مليار ونصف نسمة، موزعين على ما يقرب من ستين دولة، ولديها الآلاف من الجامعات، إلا أنَّها لا تمتلك جامعة واحدة ضمن أفضل مائة جامعة في العالم، ووفق معلومات د. سلطان "أبو" عرابي العدوان الأمين العام السابق لاتحاد الجامعات العربية، فإنَّ الاحتلال ينشر أربعة إضعاف ما ينشر في الوطن العربي من بحوث علمية في المجلات العلمية المصنفة في قواعد البيانات  .
 
رحم الله الملك الحسين الذي تساءل بألم لماذا دونم الأرض غرب النهر (في إسرائيل) ينتج عشرات أضعاف دونم الأرض شرق النهر (في الأردن)، وكيف لنا أن نواجه الاحتلال في ظل هذا الواقع؟  وبدوري أسأل هل سنواجههم بالعلم والتكنولوجيا، أم بالخرافات والأساطير، أو الدعاء على اليهود في الصلوات أم بجهاد النكاح، يا أمة سخرت من جهلها الأمم ... ؟!.
 
إنَّ الشعوب المتحضرة والأمم الحية ، تتقدم وتحقق الانتصارات والتنمية والازدهار لشعوبها بواسطة التقدم العلمي، وتحرير النفوس، وتنوير العقول والإيمان بالعلم ورعاية العلماء، لا بالأساطير والخرافات وتكريس التخلف والتبعية.
لقد راعني موقف وزير المالية الأردني الرافض لتعديل تعليمات أجور النقل الموضوعة عام (1981) ، والتي كانت ضمن أسعار الوقود في تلك الفترة، وتضاعفت اسعارها  عدة مرات خلال الفترة من عام (1981) إلى عام ( 2019) ، ولا أعتقد أنَّ هذه المعلومة البديهية قد غابت عن ذهن الوزير.
 
وزير المالية الدكتور عز الدين كناكرية حاصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة اليرموك، والماجستير من الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية، والدكتوراه من جامعة عمان العربية؛ ولكني أزعم أنَّ خبرته وثقافته في البحث العلمي متواضعة، وسيرته الذاتية المنشورة على موقع الوزارة لا تشير إلى أنَّ لديه أي إنتاج علمي ، رغم أنَّه حاصل على العديد من جوائز الدولة ، وهو بلا شك قيادي ناجح واداري كفوء ولكنه ليس بالضرورة باحث علمي  ، فالبحث العلمي له مفاهيمه وادواته وليس كل من حصل على شهادة الدكتوراة قادرا على الابداع فيه .
 
أقدر لوزير المالية حارس بيت مال الأردنيين وخازنه حرصه على المال العام، وسعيه الدؤوب لضبط النفقات، ومن ثمَّ رفضه تلبية طلب جامعة اليرموك، ولكن في إطار الشفافية والمساءلة أود أن أسأل معاليه هل يقبل هو وزملاؤه الوزراء وغيرهم من أصحاب المواقع القيادية في الدولة من سفراء وأعيان ونواب وغيرهم، أن يتقاضوا رواتب ومكافئات  ما كان يتقاضاه  زملاؤهم عام (1981م) ؟، وبذلك ليكونوا قدوة لنا، وليقبلوا على أنفسهم ما يقبلونه على الآخرين؟  ومرة أخرى في إطار الشفافية والمساءلة ووفق معايير العدالة والمواطنة ، وما كفله الدستور لنا من حق مخاطبة السلطات ، هل يمكن لوزير المالية أن يخبرنا كم هي المبالغ التي تحصلّها وزارة المالية تحت باب رسوم الجامعات؟ وكم حصة الجامعات من هذه المبالغ، وأين تذهب البقية؟  إنني أزعم أنَّ رد وزير المالية على طلب جامعة اليرموك غير منطقي وغير مبرر، إلاَّ إذا كان الوزير يرى الأشياء بالمقلوب، أو لا مازال يعيش في زمن الماضي في عام (1981) وتوقفت عنده عجلة الزمن.
 
وقد استأت من موقف رئيس الوزراء –رئيس حكومة النهضة- الذي قام بتحويل خطاب جامعة اليرموك إلى وزير المالية، وأسأل لماذا لم يحول الخطاب إلى وزير التربية والتعليم العالي والبحث العلمي؟ فهذا الموضوع يدخل في ولايته، وهو الأقدر على أن يفتي في هذه المسألة، ، أو وزير الريادة والإقتصاد الرقمي، وهل يمكن أن ندخل في عهد حكومة النهضة عصر الثورة الصناعية الرابعة إذا كانت الأمور تدار بهذه الطريقة؟  وهلَ الرؤية إلى الجامعات  والبحث العلمي والاهتمام بالتعليم  من ضمن أولويات الحكومة؟
 
إنَّ ثمن إهمال البحث العلمي افدح بكثير من ما يتوقعه البعض، ودعم الجامعات والبحث العلمي يجب أن يعطى أولوية على مشاريع الفساد والعبث بمقدرات البلاد، ولو كنت مكان أصحاب القرار في جامعة اليرموك، لما استسلمت للأمر، وخاطبت رئاسة الوزراء مرة ثانية وثالثة وعاشرة، فدعم الجامعات والبحث العلمي والإستثمار في التعليم، يجب أن يكون حقيقة واقعه يعيشها العاملون في الجامعات، وليس مجرد شعارات وجعجعة أو زوبعة في فنجان، تنتهي بجرة قلم أو بقرار ارتجالي ، عند أي خطوة أو مقترح تتقدم به الجامعات ؛لإصلاح واقعها المتردي على أكثر من صعيد. لقد كان العصر الذهبي للجامعات الأردنية  قبل ان تختل او تنقلب الموازين ، عندما كانت النظرة للبحث العلمي تختلف عن ما نعيشه هذه الأيام من بؤس في التفكير وضعف في الرؤية وربما ضيق في الافق.
 
أخيراً، أقول أنَّ الحالة المتردية التي تعيشها الكثير من جامعاتنا اليوم ماهي إلا نتاج الحقوق المنقوصة والأموال المسلوبة والامتيازات المتآكلة للعاملين في الجامعات، وربما يتحملون هم نصيب الأسد من المسؤولية عن هذا الوضع طالما أنهم يعدَّون ترك الحقوق سماحة، والرضا بالظلم طاعة، وللحديث بقية ....