انهيار القدوة‎

انهيار القدوة‎
الكاتب : صابر العبادي

في غابر الزمان، عرفت مدير مدرسة غريب الأطوار، لا يكاد يظهر أمام الطلبة إلا لماماً، يحيط نفسه بستار من المنافقين والمتكسبين والسّفلة من مشاكليه، كان من دهائه أنه يتصرف أمام الطلبة والمدرسين بشخصية وقورة متزنة واعية، وإذا خلا الى شياطينه ينقلب 180 درجة، فيُظهر من التهتك فنوناً، ويفعل الأفاعيل حتى أن الذي يراه على هذه الحالة يشك أنه هو الذي كان يراه أمام الناس، وإذا رأيته في حالته الأولى، ثم انكشفت لك حالته الثانية تحلف ألف يمين أن هذا المتهتك، ليس هو ذاك الوقور الذي أعجبك منذ قليل.

 
كان لفرط ثقته بنفسه في الحالين، يقدم على فعل الخيرات الشكلية كأنه لم يفعل معصية قط، ويغوص في المنكرات كأنه ما فعل خيرا في حياته ولا عرف الله قط، والأغرب من ذلك، أنه إذا فعل موبقة وانكشف، يلقيها في حضن أقرب واحد اليه، فينتهره ويوبخه، ويخرج من الموقف هو المنتصر، فيصدقه المعلمون ويشيدون بأخلاقه وقيادته الحكيمة، ويصبون جام غضبهم على المسكين الذي ألقيت المصيبة في حِجره! يتذاكره الطلبة بين متعجب ومعجب، وبين حانق ومائق، لذلك كان الجميع في حيرة منه، فمَن وصفه بالشيطان ومَن وصفه بالقديس!! مع أن الحكماء يقولون: إذا رأيت أحدهم يجمع بين صفات الشيطان والقديس فما هو الا شيطان، وإن رآه الناس بلباس القديس.
 
ظل صاحبنا يمارس شيطنته، فمرة يتحمل وزر أفعاله معلم ومرة ينتهي بسببها مستقبل طالب، والغريب أن زمرة المعلمين يعرفون كل أحواله، وكل مرة يقدمون كبش فداء له لتبقى سيرته ناصعة مع أن كل المدرسة تعرف سيرته الحقيقية، وانكشفت لهم زيف أفعاله، لكنهم لا يذكرون ذلك الا همسا، ولا يتذاكرونه الا رمزا.. وإذا برز لهم من كِنّه فجأة تملؤهم النشوة، ويتصرفون كأطفال وجدوا دُميَة.
 
لكل هذا الانحراف كانت مدرسة المدير الفاسد من أسوأ المدارس، ولأن من طرق التقرب اليه كان الفساد المادي والأخلاقي، شاع الفاسدون من كل شكل ولون، حتى أصبح الفاسدون هم المقدمون وهم المبجلون وهم أصحاب القرار في مدرسة الفساد..