الخذلانُ الهُلامي - د. سمير محمد ايوب

 الخذلانُ الهُلامي - د. سمير محمد ايوب
ثرثرات في الحب 
سألتُها بنغمةٍ مُشبعةٍ بالقلق عليها : ما بِكِ ، ما كانَ وجهك بمثل هذه السمرة الداكنة . هل أحرق لهيبُ الشمسِ واجِهاتك ؟ أم هي فِخاخُ الدنيا قد أرهقتك بمعاركها ، وخانَتْكِ بعضُ دروبِها القسرية ، وفرَّقَتك عن بعضِ الوجوهِ فيها ؟!
إنحشرَ الكلامُ في حَلْقِها وكأنّها تَنْهَره . نَظَرتُ مباشرةً في عينيها مُشَجِّعاً . فَهَرَعَتْ الكلماتُ عاريةً من بينِ شفتيها قائلة :
 
 - كان بِفِطنَةٍ صبورةٍ يَقرأُ صمتَ حَرائِقي . تماماً كما كان يُتقِنُ مقاربةَ تلاوينَ قلبي وتَفانينه . وفي غفلةٍ مِن عقلي ، باتَ مع كلِّ مَلمحٍ لأيِّ خطأ مَهْما صَغُرَ ، يتناسى كلَّ شئ ، وبلا منطقٍ يُحوِّلُ كلَّ حبةٍ قُبَّة . كنتُ في أعتى لحظاتِ الوجد ، أنتظرُ مُتعةَ الانتقالِ معه ، من الصداقةِ والاهتمامِ إلى الحب . باتَ صِفْراً ، جَمُدَ وهَمَدَ  وماتَ سريريا ، ما كان يَضجُّ حياةً بيننا . حتى هو لم يَعُدْ كثيراً أمام ناظريَّ . ولم تَعُدْ روحيَ تُسافِرُ إليه . سُدَّتْ فضاءاتُ سماواتِنا . فَقدَ شهيتَه في القول . وماتت شهيتي للضحك . بِتُّ أكسرُ دَوِيَّ صمتيَ الليلي ، واستفزازاتِ وجَعي ، بتأويلِ بقاياهُ وتَحريفِ صُوَرِهِ لأنسى .
 
ما زالَ عنديَ أروع من الغضب والحزن والقطيعة . وما زال يستعصيَ على النِّسيان . ما زِلتُ أشتاقُ لِلْبُحَّةِ الساخِرةِ في صوته ، ولِبريقِ عينيهِ المُشاغِبتين ، وللشيبِ في مفرقِ شعره وبوابات رأسه .
 
وأنا أعِدك ألاَّ أختنقَ بركامِ غضبيَ العاري ، قُلْ ليَ جَهراً يا شيخي ، ما إسمُ ما بِتُّ بهِ أُصْبِحُ و بهِ أُمسي . إنْ لم يَكُنِ الخُذلانُ بِشحمهِ ولَحمهِ ، فماذا يكون إذاَ ؟
 
قلتُ بنبرة حزينة وانا اتجنب النظر في عيونها : في قلوبِ البعضِ مِنا بُقعٌ غائرةٌ بعيدا ، لا يَصلها نورُ العفوِ ولا النِّسيان . لها قدرةٌ غريبةٌ على الإنتقامِ ، بالصمتِ اللاسعِ أو الواخِزِ ، دونَ عتابٍ ودونَ عِراك . وحْدَهُ صمتُ الخذلانِ غيرِ المُورِق ، من يُخبِرُك بأنَّ المكانَ باتَ خالِيا منك . واليدَ لَمْ تَعُدْ تَمتدُ لكِ . ولَمْ يَعُدْ دَمعُكِ يُضفي على المَشهدِ إلاّ همّاً وغَمّاً ونَكَداً .
 
قالت بقلق بَيِّنٍ : كيف أداور جروحاً لا أراها ، وإعتذارات لا أتوقعها ؟
 
قلت وانا ما أزال أهَرِّبُ عينيَّ بعيدا عن عينيها : وكما أنَّ الخذلان يكون بانتظار شئٍ لا يأتي ، أو بأخذٍ لنْ يُرَدّ، فإنَّ التوقعات لعنةُ الحب ، تقتاتُ على الإقبال ، تقف بك دائمًا في خانةِ الانتظار والمقارنات مع الآخرين . 
قالت بشيٍ من الاستسلام  : بِمَ تنصحني يا شيخي ؟
 
قلت : تخلَّصي من توقعاتك الكبرى مُبَكِّراً . ودَعي لهُ حرية التعبير . ولا ترتبطي بشراكةٍ مع مَنْ كانت روحه قد إعتادت الموت . إلا إذا كنتِ قادرةً على التعامل ، بِتفهُّمٍ مُفْرِطٍ في تسامُحه وفي كرمه . وامتَلَكْتِ الكثيرَ مِنْ أدواتِ التّضميد والبَلْسَمة . 
 
الخذلانُ يا سيدتي ، ليس خِيانةً أو إهانةً ، يُمكِنك إختصامُ الشريكِ بِها . بل حِيدَةٌ سلبيةٌ لا تُفْرِحُ ولا تُقاوَمْ . والخاذِلُ صفرٌ هُلامِيٌّ لَزِجٍ . لا أخطاء له لتلومينه عليها . ولا مُبادراتٌ له تُجَدِّدْ . تعيشين معه تائهةً وحيدةً . لا شيء تُعاتِبيه عليه أو تُحَبِّينهُ بِهْ .
 

أكثر الأخبار قراءة