حياة وفاة (الموتة الكبرى) بعث حساب جنة أو نار.

الكاتب : أ.د. بلال أنس أبوالهدى خماش
خلق الله سيدنا آدم عليه السلام من مختلف أنواع أديم الأرض ونفخ فيه من روحه أي منحه الحياة وخلق له زوجته من نفسه وجعل نسله (ذريته من ماءٍ مهين) ليتم التكاثر بينهما وتعمر الأرض ويكون آدم خليفة الله في الأرض (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (السجدة: 7 – 9)). وقضى الله أن تكون سنته في خلقه أن يكون حياة للإنسان في هذه الدنيا ليقضي فيها ما كتب الله له من عمر ومن ثم يموت الإنسان الموته الكبرى وهي الوفاة ويعود إلى الأرض من حيث خلق الله سيدنا آدم عليه السلام أي من تراب. وبعد ذلك يتم حدوث البعث بعد أن ينتهي عمر الأرض والحياة فيها التي قدرها الله لها ولمن فيها وعليها ويتم بعد ذلك بعث جميع المتوفون من خلق الله ليوم الحساب (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (التغابن: 7))، حيث يتم حساب أعمال جميع خلق الله في ميزان دقيق وحساس جداُ للغاية وإن رجحت كفة حسناته وفاز برضى ورحمة الله كان مأواه الجنة وإلا فتكون النار مأواه، اللهم أجرنا من النار (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (آل عمران: 185))، والموت المقصود في هذه الآية هي الموتة الكبرى وهي الوفاة.
 
كان علينا لزاماً أن نوضح لقرائنا الكرام ما ورد في الفقرة الأولى من هذه المقالة الفرق بين الموت والوفاة. فالموت نوعان أولاُ: الموتة الصغرى وهي النوم حيث يتم سحب الروح من الجسد وينام الإنسان بجسده دون روحه ثم يعيدها الله له ما دام هناك عمر للإنسان في هذه الدنيا ليسعى في الأرض ويتنفس ويأكل ويشرب ويتحرك و ينجز أعماله ... إلخ. وثانياً: الموتة الكبرى: وهي الوفاة حيث يتم سحب الروح من جسد الإنسان ولا تعود له (ويكون بذلك إستوفى كل رزق له من كل شيء كتبه الله له في الحياة الدنيا) إلا عند البعث للحساب، وهذه الآية توضح تماما ما وضحناه (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الزمر: 42)). فعندما يتوفى الله أي إنسان يكون إنتهى أمره من هذه الدنيا وبدأ في رحلة العودة والرجوع إلى الله (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (البقرة: 281)). والله خلق الحياة والموت (الموتة الصغرى والكبرى) ليبتلي الله مخلوقاته في إتباعهم أوامره وأجتنابهم نواهيه ... إلخ (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (الملك: 2)).
 
وليعلم كل إنسان أن الله لا يؤخر أي نفس إذا جاء أجلها إلى أي أجل قريب أو بعيد فعلى كل إنسان عاقل ومتزن أن يفكر بعودته إلى الله مهما طال عمره ويعمر حساب الآخرة وليس حساباته في البنوك المختلفة الفانية، لعل الله يرحمه برحمته بأعماله الطيبة ويفوز بالجنة (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ، وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (المنافقون: 10 – 11)). وليعلم كل إنسان أنه سيعود لربه كما نزل من رحم أمه ولكن مستورا بكفنه الذي لا جيوب له. وكل من يتوفاه الله ينقطع عمله من الدنيا إلا من ثلاث، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، رواه مسلم. فكل من يرغب في أن يستمر عمل الخير له بعد وفاته حتى تقوم الساعه فعليه بتطبيق هذا الحديث. متمنياً لكل القراء أعماراً مديدة وحياة سعيدة مليئة بأعمال الخير، ولكل من توفاهم الله من والدينا وأقاربنا وأنسبائنا وأصدقائنا وكل من يهمنا أمورهم ويهمهم أمورنا رحمة واسعة من الله وفوزهم بالجنة.