شريط ذكريات الإنسان

الكاتب : أ.د. بلال أنس أبوالهدى خماش

 خلق الله الإنسان وقد كتب له سيرة حياته بتفاصيل أحداثها منذ الأزل وهو في عالم الذر (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (الحديد: 22 و 23)). من أي أب أو أم سوف يكون وفي أي مكان سوف تتم ولادته وكيف سينشأ وفي أي مكان أو أماكن سيتلقى تعليمه في هذا العالم ... إلخ من دقائق تفصيلات حياته، وكيف يكون لكل مرحلة من مراحل حياته ظروفها وإمكاناتها. ويمر الإنسان إن كتب له الله العمر المديد في ثلاثة مراحل أولاً: الطفولة ومن ثم ثانياً: الشباب ومن ثم ثالثاً: الشيخوخه. فكل مرحلة تلي السابقة تذكره في سابقتها ولو كان مع هذه الذكرى صور سيكون من أجمل أشرطة الذكريات وبالخصوص إذا كانت ظروف كل مرحلة في حياة الإنسان كانت ممتعة وجميلة (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (غافر: 67)). وهذه الآية عظيمه في معانيها لمن يتدبرها وخلاصة هذه الآية أن من خلق الله من يمر في الثلاثة مراحل المذكورة ومنهم من يتوفى قبل هذه المراحل وفق العمر الذي كتبه الله له سواء أكان دقائق أو أيام أو أشهر أو بعض السنوات.

 
فالإنسان لا يعلم ماذا سيحدث معه في كل مرحلة من مراحل حياته لأنه لا يعلم الغيب إلا الله (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (هود: 123)). ولو علم الإنسان الغيب لما إستمرت حياته بشكل صحيح ولتخبط في أموره كلها لهذا السبب يقول الله في هذه الآية لله يرجع الأمر كله فإعبـــــده وتوكــــل عليــه. فليس هناك أجمل من أن يعمل الإنسان جهده ويتوكل على الله لأنه الله سيكون حسبه ووكيله. فيتذكر الإنسان إذا بلغ سن الشباب ذكريات الطفولة أين ولد وأين تلقى دراسته الإبتدائية ومن ثم الإعدادية والثانوية والجامعية وفي كل مرحلة هناك ذكريات جميلة في حياة كل إنسان من إنجازات له وحصوله على جوائز قيمه وشهادات تقدير ... إلخ. ولا ننكر أنه يمر على الإنسان خلال حياته ذكريات ربما تكون مؤلمة أيضاً ولكن الإنسان دائماً يحب ويفضل أن يذكر الذكريات الجميلة وبالخصوص إذا رافقت هذه الذكريات صور من الماضي لأن الصور للذكرى فعلاً. وعندما يصبح الإنسان في سن الشيخوخة يتذكر أيام الشباب وأين ذهب ومع من سافر أو أدى مناسك الحج أو العمرة إن كتب الله له ذلك ... إلخ ويقول كما قال الشاعر: ألا ليت الشباب يعود يوماً لأخبره بما فعل المشيب (الشاعر أبو العتاهيه).
 
ولكن أهم شيء في نهاية رحلة أي إنسان أن تكون العودة إلى الله، فيها رضى الله ورحمته حتى يفوز بالجنة، لأنه لا بد ولا مفر من العودة إلى الله في نهاية رحلة العمر في هذه الحياة الدنيا (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (البقرة: 281)). ولكن نحمد الله أننا مسلمين ونبينا محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام صاحب الشفاعة لنا يوم القيامة. لأنه من قال: لا إله إلا الله محمداً رسول الله وعندما ينتهي الأذان يقول: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمداً الوسيلة والفضيلة وإبعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلت له شفاعته.