التقشف والنمو - د. سامر إبراهيم المفلح

التقشف والنمو  - د. سامر إبراهيم المفلح

 عندما نسمع مصطلح التقشف "Austerity" يتبادر إلى أذهاننا بأن هناك تقليلًا في الإنفاق للتعامل مع ظرف اقتصادي أو حالة مادية تتطلّب من الشخص أن يُغيّر من نمط حياته بتقليل مصاريفه للاستجابة إلى هذا الطارئ، واصطلاحًا فإن هناك نوعًا من السلبية المُرتبطة بكلمة التقشف، إذ إن لها دلالات على انخفاض مستوى الحياة والترفيه عن المعدلات المعتادة لهذا الشخص.

 
على مستوى الدول فإن مصطلح التقشف يشير إلى سياسة اقتصادية حكومية تهدف إلى تقليل العجز من خلال خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب أو بتنفيذ الإجراءين معًا، وتلجأ الحكومات إلى هذه السياسة عند تفاقم مستويات المديونية إلى معدلات مرتفعة كي تتمكّن من سداد التزاماتها، وكثيرًا ما تكون هذه الإجراءات بتوصيات من الجهات الدولية المُقرِضة تحت ما يُسمّى "إصلاحات اقتصادية".
 
هناك جدل مستمر بين الاقتصاديين على نجاعة الإجراءات التقشفية في تحقيق نتائج تنعكس إيجابًا على المؤشرات الاقتصادية الرئيسة، إذ إن هناك تناقضًا واضحًا من حيث المبدأ ما بين النمو الاقتصادي من خلال زيادة الناتج المحلي الإجمالي والذي يمكن قياسه من خلال معدلات الإنفاق الكلية في الدولة وما بين التقشف وتقليل المصاريف والمرتبط بتقليل الإنفاق.
 
أما من الناحية الاجتماعية فأثر الإجراءات التقشفية في الغالب يكون سلبيًا ومرتفعًا إذ إن الإجراءات التقشفية عادةً ما تبدأ باستهداف البرامج الاجتماعية التي تقدمها الدولة كالمساعدات الاجتماعية، والإعفاءات الصحية، والمنح الدراسية، وبرامج سوق العمل، وغيرها من البرامج مما له أثر مباشر على الطبقة الكادحة والمتوسطة التي تعتمد بشكل كبير على هذه البرامج في تحسين مستويات معيشتها.
 
الإجراءات التقشفية أيضًا تشمل في العديد من الأحيان خفضًا للتوظيف في القطاع العام إلى الحدود الدنيا، وترشيد الإنفاق الرأسمالي التنموي، ولهذا فهناك دراسات ربطت ما بين ازدياد معدلات البطالة والإجراءات التقشفية، كما يشير بعض الاقتصاديين إلى فشل السياسات التقشفية في الخروج من الأزمات الاقتصادية كما حصل في ثلاثينيات القرن الماضي خلال فترة الكساد الكبير في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ انتهجت الحكومة الأمريكية سياسة توسعية في الإنفاق للخروج من أزمتها بعد تفاقم مصاعبها الاقتصادية وفشل السياسات التقشفية في حينه.
 
فالتوسع يعني زيادة الإنفاق الحكومي وهو العنصر الأكبر المكون للناتج المحلي الإجمالي في بعض الدول، ويؤثر توسع الإنفاق الحكومي أيضًا في تغطية الانخفاض الحاصل في استثمارات القطاع الخاص نتيجة للتوجس أو عدم القدرة على ذلك عند مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة، كما أن الإنفاق الرأسمالي التنموي الحكومي وتنفيذ مشاريع البنى التحتية يساعد في توفير الممكنات اللازمة لتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي والإنتاجية في الدولة، بالإضافة إلى التأثيرات المحتملة لمضاعفات الإنفاق الحكومي "Government Spending Multiplier" يؤدي إلى ضخ الأموال في الدورة الاقتصادية وينعكس إيجابًا على النمو.
 
لاحقًا للأزمة المالية العالمية في العام 2008 ناقش بعض المفكرين الاقتصاديين جدوى سياسة الإنفاق التوسعية في التغلب على تحديات العجز المزمن وتخفيض مستويات الدين العام بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي بشكل مستدام، وطرح بعضهم فكرة أن السياسات التقشفية قد تمثّل الحل المناسب إذا صاحبها تغيرات اقتصادية هيكلية ومدروسة، مما يعني أن التغيرات الهيكلية يتوجّب أن تؤدي إلى زيادة الكفاءة والفاعلية للأنشطة الاقتصادية في الدولة والبناء على الميز التنافسية فيها.
 
اعتمدت الحكومات المتعاقبة في المملكة خلال السنوات القليلة الماضية نهجًا قد يوصف بأنه أقرب للسياسة التقشفية تمثّل في زيادة الضرائب، والحد من التوظيف في القطاع العام، وتقليل المخصصات للبرامج الاجتماعية كالدعم مثلًا، وغيرها من الإجراءات لم يرافقها تغيرات هيكلية جوهرية، وخلافًا لهذه السياسة أطلقت الحكومة مؤخرًا برنامجًا لتحسين الوضع المعيشي للمواطن على شكل أربعة محاور تضمّنت حُزمًا من الإجراءات والمبادرات أُعلن عنها تباعًا، كما قامت الحكومة ومنذ أيام قليلة بتخفيض ضرائب المبيعات على عدد كبير من البضائع والسلع.
 
قد توصف هذه السياسات والبرامج والإجراءات الحكومية الأخيرة بأنها توسعية في الإنفاق حيث شملت زيادة للأجور، وزيادة مخصصات الإنفاق الرأسمالي، واستئناف التوظيف في القطاع العام، وتخفيض الضرائب وغيرها من الإجراءات، ومن الضروري أن تترافق هذه الإجراءات التوسعية بإصلاحات وتغييرات هيكلية مرتبطة بالاقتصاد الوطني للبناء على الميز التنافسية فيه، وزيادة قدرته على الإنتاجية، ولتحفيز بدء الاستثمارات المحلية واستقطاب الاستثمارات الأجنبية وفقًا لبرنامج إصلاحي اقتصادي طويل الأمد، ورؤيا واضحة تحدد الأولويات الوطنية تكون مرتبطة بمستهدفات رئيسة لبعض المؤشرات الاقتصادية الكلية ومؤشرات مستوى المعيشة للمواطن.
 
إن التحديات القائمة تتطلّب أن يوائم أي برنامج اقتصادي مقترح ما بين السياسات والإجراءات الحكومية والتغيرات الهيكلية التي توفر المتطلبات اللازمة للإنعاش الاقتصادي ونمو القطاع الخاص وازدهاره لقيادة الاقتصاد الوطني من جانب، ومن الجانب الآخر توفير الحد المطلوب من السياسات والبرامج الاجتماعية التي تُساهم في تخفيض معدلات الفقر والبطالة وتحافظ على الطبقة المتوسطة وتقلل من التباين في توزيع الثروة.