إجازة لأسبوع من قاتل محترف .. غادة السمان

قررت أن أمنح نفسي اليوم إجازة من كلمة «كورونا» وأحدثكم مثلاً عن الربيع الجميل الذي يأتي كل عام رغم كوارثنا السنوية البشرية، وتبارك الخالق في كل برعم ينبت فيما كان يبدو غصناً جافاً.

الشاعرة لميعة عباس عمارة: نفتقد أبجديتك!

في كتاب «وديع فلسطين ـ حكايات دفتري القديم» الصادر عن منشورات كتاب «المجلة العربية الشهرية»، جمـــع وتقـــديم ودراســـة الأستاذ صــلاح حســن رشــيد، نقــــرأ تحـــت عـــنوان «الشاعرة لميعة»، والمقصودة لميعة عباس عمارة، ما يلي حرفياً: يقول وديع فلسطين، كنت في مجلس أدب تتصدره الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة.
وكان الجالسون يتحدثون عن قدرتها على ارتجال الشعر، ورغبت في المشاركة في هذا المجال فزعمت أن فتاة أهدتني ربطة عنق، فقلت لها: هل أدلك على طريقة ألطف وأجمل، ولا تكلفك شيئاً لتطويق عنقي؟
فالتقطت الشاعرة لميعة هذه القصة وارتجلت البيتين التاليين:
أهديته ربطة عنق، فارتد يسألني
الطوق تعنين، أم تعنين تطويقي؟
يداك أجمل تعبير وأبلغه
لم العناء إذن في زحمة السوق؟
ويتابع وديع فلسطين: «وعندما نقلت هذه الحكاية إلى الأديبة الكبيرة سلمى الحفار الكزبري أهدتني ربطة عنق قائلة: خذها نكاية في لميعة!
من طرفي، أعترف أنني سررت حين بدأت الكتابة في هذا المنبر، وطالعت فيه كلمة خطتها الشاعرة لميعة وتتضمن بعضاً من الذكريات الأدبية.
وتوهمت بكل سرور أنها ستكتب مثلي كل أسبوع وترقبت ذلك، لكنها توقفت عن الكتابة.
أيتها الشاعرة العراقية اللامعة لميعة، باسم محبي أبجديتك أناشدك العودة للكتابة لنا.. وأريد «استفزازك إيجابياً»، والتعبير لزميلي الأستاذ كريم العفنان الذي شاركني الشعور ذاته كما مئات القراء.. اكتبي ما يحلو لك؛ مذكراتك مثلاً.. ولكن اكتبي فنحن نفتقدك.

سنموت على الأرض أو في الجو، ما الفرق؟

لي صديقة فرنسية ـ لبنانية تلتهب شوقاً لزيارة مسقط رأسها في بلدة بيبلوس الساحلية (جبيل) لكنها أيضاً تموت رعباً من ركوب الطائرة!
وحاولت عبثاً إقناعها بأن عدد الذين يقتلون سنوياً في حوادث السيارات يفوق بعشرات المرات عدد القتلى في حوادث الطائرات.
ولكنها ترد عليّ بقص أي خبر عن سقوط طائرة أو عن حادث مزعج وقع في طائرة، وتجمع لي قصاصات الصحف التي تروي ذلك قديمها وحديثها، وآخرها خبر عن عقرب لسع راكبة في طائرة أمريكية فقتلها بسمّه.
وتذكرني أيضاً بذلك الطيار الذي انتحر بتدمير الطائرة التي يقودها وكان فيها 220 راكباً، ناهيك عن المضيفات.. وصديقتي ليست وحدها التي تخشى ركوب الطائرات، فقد كان المطرب الشهير عبد الوهاب لا يرحل إلا بالباخرة. ما الذي ذكرني بما تقدم؟
هذا الصباح اتصلت بي هاتفياً ابنة تلك الصديقة، وعلمت منها أن والدتها رحلت بسكتة قلبية مفاجئة في سريرها وكانت بمفردها في البيت!
إنه السيد الموت الذي يعرف أين يجدنا حين يحين الوقت، وليس بالضرورة في الطائرات!

حريق الكاتدرائية واتهام المسلمين!

في مثل هذا الشهر قبل عام احترق أهم المعالم الباريسية الشهيرة: كاتدرائية نوتردام.
أتذكر.. تصادف أن كنت في حي مجاور لها في زيارة لصديقة فرنسية، وحين غادرتُ بيتَها صوب مترو (لاسيتيه) للعودة إلى بيتي، فوجئت بسحب الدخان والنار تتصاعد من مكان قريب، ومشيت صوبه للاستطلاع. وهناك فوجئت بمنظر مروع.. هو الحريق الهائل الذي شب في كادرائية نوتردام. وحزنت حقاً للمشهد.. لكنني سمعت الفرنسي الواقف إلى جانبي يقول لزوجته: المسلمون هم الذين أحرقوا هذه الكاتدرائية!..
وحزنت، فذلك ليس من تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف.

حريق نوتردام غير متعمد

ولذا، أراحني بعــــدها أن أقـــــرأ في الصحف الفرنســــية أن الادعــاء الفرنسي أعلن أن حريق نوتردام لم يكن متعمداً، على الرغم من أنف اليمين المتطرف الذي اعتبر الكارثة هجوماً إسلامياً معادياً للمسيحيين! والمسلم هو في حقيقة الأمر ضحية سوء الظن به، والأعمال الإرهابية للمتأسلمين تؤذيه قبل سواه.. فحريق كاتدرائية نوتردام وقع بسبب احتكاك في شرائط الكهرباء لا بسبب احتكاك إسلامي مسيحي!

«أزميرالدا» تبكي وترقص!

ليلة حريق الكاتدرائية قبل عام جاء رئيس الجمهورية الفرنسية السيد ماكرون وتفقد الكارثة، وأعلن بتفاؤل أنه سيعاد تشييد الكاتدرائية بعد خمسة أعوام.. وها قد انقضى عام، وهم يعملون ليل نهار لتحقيق ذلك.. وتوقف العمل الآن بسبب انتشار الوباء اللعين، فيروس كورونا.
لكنني حين وقفت اليوم في الذكرى الأولى للحريق أتأمل، شاهدت فيكتور هوغو مؤلف رواية «نوتردام باريس» ـ الترجمة العربية سمتها «أحدب نوتردام»، وأرى الغجرية الراقصة بطلة الرواية أزميرالدا وهي ترقص فوق غيمة تعلو على الكاتدرائية التي يتم تصليحها، كما شهدت «أحدب نوتردام» والكاهن الذي أغواه جمال الغجرية أزميرالدا.
في أوطاننا العربية ثمة مرافق تاريخية تستحق تخليدها في أعمال أدبية راقية، كما في حكاية زنوبيا ملكة تدمر السورية، التي هزموها واقتادوها إلى روما أسيرة ولكنهم لم ينجحوا في إذلالها.. وعشرات المرافق التاريخية الأخرى في عالمنا العربي التي صارت جزءاً من تاريخ الإنسانية.
ترى، هل قصرنا كأدباء في جعلها تلهم بعض أعمالنا الأدبية؟ وهل سنكتب اليوم عن فئة ضالة دمرت بعضها كتدمر؟ أذكر أنني حين كنت صبية في سوريا زرت تدمر مع أصدقاء، وقال لي المشرف على المكان إنني سأنام في غرفة زنوبيا التاريخية.. لم أصدقه، لكنني لم أنم ليلتها بل كنت أحلم بكتابة رواية عن زنوبيا وإبائها على أغلال روما.. وللأسف لم أفعل حتى اليوم، كالبشر جميعاً، مقصرة أحياناً في حق رغباتي.
وتظل زنوبيا رمزاً للمرأة السورية العربية الشجاعة المتحدية الأبية، وتظل تبحث عن كاتبة/كاتب مبدع يجسد حكايتها مع تحديها لامبراطور روما حتى وهي أسيرة.