عاجل

توضيح حكومي حول اغلاق المساجد وصالات المطاعم

النموذج الأردني في الكورونا؛ الحكومة بواد والشعب بواد آخر

الكاتب : طلال محمد الخطاطبه

لم تفلح كل الدعوات بأن يكون عام 2020 عامًا سعيدًا ينعم فيه العالم بالرخاء الاقتصادي والسياسي وما إلى ذلك من أصناف الدعاء ؛ بل كانت على النقيض من ذلك بما جرته على العالم من بلاء وامتحان شديد. فما أن توقفت دقات الساعة معلنة دخول العام الجديد حتى طالعتنا أنباء الشؤم بهذا الفايروس اللعين الذي اخترق العالم فأقام في بلدانٍ وسرح ومرح فيها طولًا وعرضًا ونسي أخرى أو تناساها!. لكن هناك من يقول رب ضارة نافعة وسأحاول في هذا المقام المتواضع أن أبحث فيما إذا كانت حقًا نافعة فعلا أم لا.


بداية الأمر كان الإعلان عن الكورونا في الصين في منطقة ووهان. وكان الحديث عنها أشبه ما يكون بالنكتة تداوله الناشطون عالميًا وعربيًا وأردنيًا كأنه طرفة. ومنهم من قارن بينه وبين حالات انفلونزا مشابهة وسابقة بدأت بانفلونزا الطيور وتلتها الخنازير؛ لهذا كان السؤال دائمًا ماذا بعد الكورونا! بمعنى أي فلم هندي قادم سنرى؟


ورغم السؤال المُحِق حول عدم ظهور الكورونا بالكثير من الدول المهيأة لهذا الفيروس صحيًا وبيئيًا على مستوى النظافة بسبب الفقر والحروب والكوارث باستثناء بعض الحالات التي تُذكر على سبيل ذر الرماد في العين وكأنهم يخافون عليها من الحسد، إلا أن العالم كان أكثر انشغالا بالأعداد التي ترتفع عكسيًا مع أسعار البترول، فكان عداد الإصابات والوفيات بارتفاع يقابله هبوط باسعار النفط. وربما لم يحن الوقت لإثارة هذا التساؤل بشأن هذه العلاقة العكسية.


كانت بداية دخول الكورونا للاردن بعد أربعة أشهر من ظهور الفايروس في الصين؛ وكانت أول الاجراءات الحكومية بمنع المسافرين من الصين وكوريا بدخول الأردن ثم إدخالهم تحت اشراف الحكومة وبتنسيقها؛ لكن الحزم الحكومي تمثَّل بالجدية التي حرص الاعلام أن يوصلها للجمهور بعد تشخيص حالة كورونا قادمة من ايطاليا بأن الأمر لا علاقة له بالنكتة. وكان بداية الأزمة الحقيقية الإعلان عن "لدينا حالة كورونا".


ولأننا دولة تختلف عن باقي الدول ربما بسبب أنه ليس لنا فرصة للحياة الا بالنجاة من هذا الوباء، لا بل والتفوق على باقي الدول، لهذا سار الأردن بأكثر من أسلوب: إعلاميًا ودينيًا وصحيًا وتربويًا من خلال ما يُعرف بخلية الأزمة. وتتشكل خلية الأزمة من كل القوى المؤثرة على مسار الحياة في الأردن ويتقدمها الجيش الذي يحظى بثقة الجمهور الأردني كثيرًا والسبب أن يد الجيش لم تتلطخ أبدًا بدماء الشعب الأردني. وقد تبين في تصريح لأحد أعضائها بأن الخلية قد تدربت ومنذ عام 2017 على خطة نجاة لو تعرض الأردن لوباء مميت. وبالمناسبة لم يسبق أن سُميت موجات الانفونزا السابقة بالوباء كما هو الحال بالكورونا؛ لا بل استعمل الأردن لها اسمًا مؤثرًا ألا وهو الجائحة.


من هنا انتقلت الجدِّية إلى وجوه الشعب الأردني عندما كثرت التصريحات الحكومية حول ضرورة تتبع الاجراءات الصحية التي كان يعلن عنها وزيرٌ قُدّر للأردن أن يكون سمح الوجه طلق اللسان ذا نبرة تفاؤلية يطلق من خلالها التحذير الجدي بأن الأمر جلل وليس بالسهل. فأصبح الحديث عن التباعد بين الأشخاص وارتداء الكمامات شيئًا ضروريًا ؛ ولم يعد الحديث عن ضرورة تغيير بعض العادات الاجتماعية أمرًا مستهجنًا . وأصبح التصريح الوزاري يصدر بشكل دوري ويومي وفي وقت محدد وأصبح انتظاره حدثًا عائليًا مهمًا في الأردن.


وبعد التهيئة الحكومية لهذا الوباء الخطير أصبح من الضروري الانتقال للمرحلة الثانية من مكافحة الوباء فظهر تذمر حكوميٌ من عدم جدية الناس بالتعامل مع الاجراءات لهذا كان إصدار قانون الدفاع الذي يخوّل رئيس الوزراء إصدار الأوامر والاجراءات الدفاعية التي لها سلطة القوانين التشريعية فبدأت بتعطيل الدوائر الحكومية كلها وحظر التجول تحت سيطرة الجيش وإدارته وحزمه . وكان لا بد من السيطرة على بعض حالات الاجتماعية من الفلتان وعدم الجدية بالنظرة للأمور الصحية ومنها الأعراس والتجمعات والمخالفين لأوامر حظر التجول بتغريمهم وحجز سياراتهم.


أصبح الأردنيون – وهذه عادتهم عند كل أمر جديد- خبراء بتحليل النتائج ومتابعة الأخبار العالمية حول الكورونا وكلما سمعوا بحالات وفاة بهذه الدولة أو تلك كانوا يشبعونها تحليلاً بالنهاية يصدقون هذه النتائج أو بعضها أو يرفضوها. كذلك لوحظ أن الفجوة بين الشعب والحكومة قد ضاقت كثيرًا وإن اتضح لاحقا أن هذا بسبب الخوف من الجائحة. فقلّت الشائعات كثيرا ببداية الأزمة باستثناء اشعاعات كان يطلقها جماعة عرفت بالاردن بأنهم ( بتوع اللايفات أو البث المباشر) وصاروا مصدرًا للنكتة وهاج الأردنيون ضدهم عندما اقترب أحدهم من الجيش. ويمكن اعتبار هذه الثقة بين الحكومة والشعب إحدى الفوائد للكورونا ولو أنها كانت (جُمعة مشمشية) إذ سرعان ما عادت حليمة لعادتها القديمة بعد أن شعر الأردنيون بالاطمئنان نتيجة تجاوزهم المحنة كما ظهر عندما بدأ مسلسل صفر حالة من معالي الوزير التفاؤلي.


ولقد اختلط الجانب الاجتماعي بالصحي وبالديني في طيف واحد؛ فقد تغيرت عند الأردنيين الكثير من العادات التي ما توقعنا أن تحدث فاختفت عادة التقبيل والمصافحة الدائمة عند كل لقاء كمؤشر على زيادة الوعي الصحي؛ وتقبل الناس فكرة اغلاق المساجد من باب الفرار من قدر الله الى قدر الله، وهذه ليست بالأمر اليسير على الأردني الذي يمشي فيه الدين ممشى الدم ولم يستوعب ابدًا أن يأتي يوم تُغلق فيه المساجد حتى لم يكن يصلي فيها الكثيرون، وكان حالهم كحال الذي لا يصوم رمضان ولكن كان يصر على أن تحضِّر زوجته له السحور محتجًا بمقولة يعني مش بكفي ما بنصوم كمان ما نتسحر!!


وقد شكل مفهوم التعليم عن بعد تغييرًا جذريًا وتحقق بفضل إصرار الدولة عليه و لا أنسب الفضل فيه للشعب، فما زال الشعب يشكك في جدواه. وقد أُشارك الشعب هذه المخاوف لو كان الوضع مخططا له من قبل، لكن الوضع كان مفاجئًا للجمييع وكان لا بد من قرار. وحتى نكون منطقيين يجب الاعتراف بأن هذا النمط من التعليم قادم لا محالة آجلا أو عاجلا فالمسألة مسألة وقت؛ وسمعت أن بعض المدارس الخاصة في الأردن تطبق مثل هذا التواصل مع طلابها للتعليم، لهذا لن يكون مستهجنًا ذات يوم. لكنني أشارك تخوف الناس من ما يسمى بصدق النتائج من حيث التسهيلات الكثيرة. أما على الصعيد الشخصي فإنني معجب بالتجربة وبحماس الطلاب الجاديين لها ولا أتحفظ إلا على موضوع الانترنت حيث كان يجب أن يكون الانترنت مجانا وبموجب قانون دفاع يلزم شركات الاتصال بتوفير الخدمة مجانًا بهذه الفترة الحرجة. واعتقد كذلك أن تجارة التاب ستزدهر قريبًا حتى تتحمل كل هذه المجلدات الضخمة. كذلك كشفت هذه التجربة عورة بعض الأكاديمين الذين كانوا غير مستعدين لمثل هذا النوع من التدريس.


وفي الختام وليس من باب الإحباط لكن من باب الاستدراك لأقول أن كل ما ذكرت سابقًا عن فوائد أزمة الكورونا أنه بداية التحول وليس التحول كله والدليل أنه ما أن أتيحت للأردنيين فرصة الانعتاق من قيود الحظر حتى تزوجوا وأقاموا الدبكات واختلطوا وتباوسوا ورموا بالكمامات جانبًا وطنشوا موضوع التباعد الاجتماعي ومسافة الأمان وتساوى فيها الناس عالمهم وجاهلهم كما دلت حالات الكورونا التي اكتشفت بعد ذلك بسبب عامل التباعد الوهمي. ولك أن تتصور حالة الناس عندما تعود الناس للمساجد ولو جاء بعد فترة طويلة من الزمن. ودلت كذلك على أن الأردنيين هم تماما كباقي الشعوب يلتزموا بالقوانين إذا ألزِموا فيها وبالقوة لكن عند أول فرصة لا نتحدث عن وعي شعوب أبدًا.


لكن الدرس المستفاد من أزمة هو أن تكون الدولة جاهزةً إذا قُدِّر لها أن نقع بمثل هذه الأزمات. فليس من المعقول أن نبدأ دائما من المربع الأول إذا أضطرتنا الظروف لمثلها. لنعتبرها مناورةً تدريبية للقادم من الأزمات. ويبقى الأمر الأخير متعلق بالشعوب وهذه فيها من الكلام الكثير.