لا يعرف الشوق الا من يكابده

الكاتب : أ.د.فايز ابو عريضة

عندما نشتري الفواكة او الخضروات من الاسواق ونطبخها او ناكلها ، دون ان نفكر كيف وصلت الينا كما هي عليه، علينا الرجوع بالذاكرة إلى اصل الحكاية ستجد انها بذرة او نبتة زرعت وسقيت وسمدت وروعيت كالاطفال لسنوات طويلة، وخاصة أشجار الفواكة المعمرة كالتين والزيتون والكرمة َواللوزيات والحمضيات وغيرها من الفواكه، ولكننا لم نتذكر لحظة واحدة ذلك الرجل المزارع اوالفلاح البسيط الذي أمضى سنين طويلة من عمره وهو يداري ويدلل تلك الشجرة ويراعيها ويكلمها في الصباح والمساء، ويستودعها "للذي لا تضيع عنده الودائع" عندما يغادر الحقل، ويقسم الموسم كما تقسم فصول الدراسة في الجامعة، من الحراثة إلى،" التجوير،" عليها لاستقبال المياة في الشتاء والسقاية صيفا من ابار جمع مياها بالسهر وتحويل مجراها، والتعشيب والتقنيب والتسميد وما ادراك ما التسميد ، حتى تكبر ويراقب الثمرات الأولى كانها الطفل البكر ولا بيخل على المارة او الجيران بالثمار الأولى لانها بشرى خير (اول الثمار بتطول الاعمار) فلا تعجبوا ان تبكي الرجال عند فقدان شجرة، لانها من كد وعرق سنوات عمره كاطفاله ولا تستغربوا عندما تحتضن الفلاحة الفلسطينية شجرة الزيتون المباركة لمنع قطعان المستوطنين الاقتراب منها لانها رمز الحياة والسلام ووصية الاجداد وعنوان الصمود، ولذلك عندما تمروا بسياراتكم الفارهة وتجدون المزارع وزوجته واطفاله يعرضَون الثمار على جانبي الطريق بكل ابتسامة وايمان بان الرزق على الخالق جل وعلا، وتترجلون من السيارات بكبرياء، استحلفكم بالله ان لا تفاصلوا في الاسعار لانها مصدر رزقهم وليسوا اصحاب مولات وتجار حروب ومتهربين من الضرائب وانما هم الذين يزكون اموالهم بعرقهم ومالهم، ويقدمون لكم ثمار طازجة مباشرة دون وساطة السماسرة، وقد لا نتصور معاناتهم واستحضر هنا ما جاد به علينا المتنبي."" لا يعرف الشوق الا من يكابده"" ولا الصبابة الا من يعانيها،"" لا يسهر الليل الا من به الم"" . لا تحرق النار الا رجل واطيها""