تَرْكُ كُرْسِي َاَلْمَسْؤُوليَة عِنْدَ اَلْعَرَبِ إما باِلْوفاة أو بِالإِقَالَةِ

الكاتب : أ.د. بلال أنس أبوالهدى خماش

منذ بداية الخلق وأنانية الإنسان لمصلحته الشخصية مسيطرة عليه، فلا ننسى قصة إبني آدم هابيل وقابيل كما وردت قصتهما في الرسالات السماوية السابقة وفي القرآن الكريم، عندما أقدم قابيل على قتل أخيه للفوز بأخته الأجمل للزواج منها.

رغم أن سيدنا آدم وزوجه حكما بينهما لحل الخلاف أن يقرب كل واحدٍ منهما قرباناً لله ومن يقبل الله قربانه يفوز بالأخت الأجمل إلا أن قابيل عندما قبل الله قربان أخيه هابيل ولم يقبل قربانه لم يقبل بذلك وأقدم على قتل أخيه هابيل حتى يفوز بالأخت الأجمل (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ، فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (المائدة: 27 – 30)).

ولكن بعد ذلك تحضَّرت الأمم وتعلَّمت من أخطائها العديدة، ووضعت الأمم المتحضرة الأنظمة والقوانين التي تضبط جميع أمور حياتها وإلتزمت بذلك حتى تسير أمور حياتهم للأفضل وتُعْطِي الفرصه لكل إنسان مبدع في تولي المسؤولية في أي مؤسسة ليخدم المؤسسة والدولة ولتتفوق المؤسسة عن غيرها من مؤسسات الدولة ولتتفوق الدولة عن غيرها من الدول. وهكذا تفوقت بريطانيا وأمريكا وروسيا وفرنسا وألمانيا وكندا والصين وغيرها من الدول.

نعم نحن العرب كنا أفضل من غيرنا من الأمم من بداية صدر الإسلام وزمن الخلفاء الراشدون وزمن التابعين إلى أن تم التخطيط لنا من قبل أعداء النجاح والتميز ووضعوا لنا خططاً قصيرة وطويلة المدى (ووضعوا لنا السُم في الدسم) لإبعادنا عن كتابنا وتعاليم ديننا الحنيف وطمسوا تاريخنا المجيد وما وضعناه من أسس العلوم جميعها وما أنجزناه من حضارة وتقدم علمي وتكنولوجي في تلك الأزمنة وجعلونا نلهث خلف ما يدعونه من حضارة وتقدم إجتماعي زائف دون تفكير فيما إذا كان في صالحنا أم لا، أو فيما إذا كان يتعارض مع تعاليم ديننا وتربيتنا وأخلاقنا ومُثُلُنَا أم لا ... إلخ.

روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه. فضيعونا وضاعت ذرارينا من بعدنا وأصبحنا تائهين لا هدف لنا في هذه الحياة. وأصبحنا في عالمنا العربي نلهث خلف المناصب ونضع الواسطات ونراكض من هنا إلى هنا من أجل أن يحصل الواحد منَّا على منصب ليس كفؤاً له.

وعندما يحصل الواحد منَّا على المنصب ويواجه الصعاب والمشاكل والإنتقادات العديدة لا يحاسب نفسه، ولا يفعل كما يفعل أي مسؤول في الدول الأجنبية، عندما يُقَصِّر في عمله أولا يستطيع أن يقوم بواجباته خير قيام، أن يعتذر لكل من هو مسؤول عنهم ولكل من هم مسؤولين عنه ويقدم إستقالته. هذا الأمر ليس موجوداً عندنا نحن العرب وكلمة إستقالة ربما أزيلت من قاموسنا ولم تستخدم من قبل الكثير إلا ما ندر. تعودنا على عدم التخلي عن المنصب وعدم إعطاء الفرصة لمن يستحقها ابدا قطعيا. وعهدنا منذ سنين طويلة أن أي مسؤول يبقى متمسكاً في منصبه أو يتنقل من منصب لآخر حتى يموت أو إما يقال إقالة أو يُعْفَى إعفاءاً.