متاهة الإدراك

الكاتب : د. محمود العمر العمور
نام نوما عميقا، وطال ليله، وعظمت أحلامه، فقام يسير في نومه، هائما على وجهه، حتى وصل إلى جرف عال، سقط إلى أسفله، وفقد وعيه، ثم حين بلغته حرارة شمس الضحى عاد إليه وعيه، واستيقظ من نومه، لكنه كان قد فقد ذاكرته ورشده.
 
من أين؟ وإلى أين؟ من هو؟ وكيف؟ دار حول نفسه، ثم تجول في المكان، يشعر بشعور مزعج غريب في انحاء جسده، إنه شعور الألم الذي لم يعد يتعرف على كنهه! والعطش، والجوع. ولا يدرك ماذا يفعل حتى يتخلص من تلك المشاعر المزعجة المرهقة.
 
لم يعد يدرك حقيقته، ولا حقيقة المكان الذي فيه، فمشى حيث لا يدرك خطاه، فإذ بنبع ماء يتدفق من الأرض، رآه ولم يدرك ما هو؟ سمع خريره، طرب لصوته فتسلل إلى نفسه شعاع بسيط من الراحة، تلمسه بيديه فأحس بالانتعاش، فصب منه على جميع جسده، فدخل الماء إلى فيه، فأخذ الشعور بالعطش يتلاشى، فانكب يشرب منه حتى روي، شعر بحاجته إلى هذا الشيء المتدفق، وأدرك ضعفه أمامه، فبنى حوله مجموعة من الحجارة ليحميه، ثم أخذ يُظهر احترامه وحبه لذلك الشيء، فحينا يضمه، وحينا ينحني إليه.
 
ثم رأى شجرة من فاكهة، استحسن منظرها، وأسره رائحتها، ثم ملمس ثمارها، فوضعها في فيه وتذوق حلاوتها، فأخذ يأكل ويأكل منها، حتى ذهب شعور الجوع المزعج لديه، أدرك حاجته لها، وضعفه أمامها، فجعل حولها سياجا من عيدان وأغصان، وأظهر لها هي الأخرى احترامه وحبه، فضمها وانحنى لها.
 
ثم غابت شمس ذلك النهار، فحل الليل، وخيم على المكان الظلمة، فانتابه شعور غريب لم يدرك كنهه، إنه الخوف، والبرد، وما إن أشرقت الشمس من جديد، تبدد خوفه، وشعر بالدفىء، فعلم عظمة الشمس، وحاجته لها، فنظر إليها بعيدة وعالية في السماء، ليست بحاجة إلى حمايته لها، فأدرك مدى قوتها، فأظهر احترامه وتعظيمه لها، لكنه لا يستطيع ضمها، فانحنى لها، وبالغ في الإنحناء.
 
وبدأ يتعرف كل الأشياء من حوله، ثم بدأ ينتبه إلى نفسه، من هو بين كل تلك الأشياء؟ فأخذ يتعرف على كل جزء من أجزاء جسده، وبدأ يدرك حاجته إلى كل جزء منه، وحاجته إلى نفسه، وضعفه لذاته، فأدرك قوة كيانه، فضم إليه نفسه، وانحنى لها، وبالغ في الانحناء حتى لم يعد قادرا على الاستقامة أمامها.
 
ولفها في ستور وستور حتى يحميها، فغاب جسده في تلك الستور، وتاههت نفسه في نفسه، فكيف يخرج من تلك المتاهة؟ وكيف يظهر من تلك الستور؟!.