الحرب على النفط: من فنزويلا إلى الخليج

الحرب على النفط: من فنزويلا إلى الخليج

05-01-2026 12:11 AM

لم تعد الحروب الحديثة تُخاض من أجل الأرض وحدها، بل من أجل ما تحتها: النفط، والغاز، وسلاسل الإمداد التي تُغذّي الاقتصاد العالمي. في هذا السياق، فإن ما يجري في فنزويلا ليس حدثًا معزولًا، بل حلقة افتتاحية في معركة أكبر عنوانها السيطرة على شرايين الطاقة. حين تُستهدف دولة تملك أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، فهذا يعني أن مركز الثقل في الصراع قد انتقل من الجغرافيا السياسية إلى الجغرافيا الطاقية.
فنزويلا ليست مجرد دولة بعيدة عن الخليج، بل تمثل “هامش النظام النفطي” الذي تختبر فيه القوى الكبرى قدرتها على إعادة تشكيل السوق دون تفجير الأسعار فورًا. فالنفط الفنزويلي الثقيل يشكل عنصرًا حيويًا للمصافي الأمريكية، وأي ضغط عليه يعيد ترتيب التدفقات العالمية ويخلخل توازن العرض والطلب. وهنا تتحول العقوبات، والضغوط السياسية، وحتى محاولات تغيير الأنظمة، إلى أدوات حرب اقتصادية لا تقل فتكًا عن السلاح العسكري.
الاستراتيجية الكبرى تقوم على ضرب الأطراف قبل الوصول إلى القلب. فبدل أن يبدأ الصراع من الخليج — حيث يمر ما يقارب ثلث تجارة النفط العالمية — يتم أولًا إنهاك منظومة الطاقة عبر دول مثل فنزويلا، ثم إيران وروسيا. هذا النهج يسمح بإرباك الأسواق، واختبار ردود الفعل، وإضعاف تحالفات الطاقة البديلة، قبل الانتقال إلى المسرح الأكثر حساسية: الخليج العربي.
وفي خلفية هذا المشهد يقف الدولار الأمريكي. فالنظام المالي العالمي لا يزال قائمًا على تسعير النفط بالدولار، وأي محاولة جادة لكسر هذا الاحتكار عبر عملات بديلة أو تكتلات مثل “بريكس” تمثل تهديدًا مباشرًا لبنية الهيمنة الأمريكية. لذلك فإن الحرب على النفط هي في جوهرها حرب على العملة، وعلى القدرة على تمويل الديون والعجز عبر السيطرة على تدفقات الطاقة.
من هنا نفهم أن فنزويلا لم تكن خطأ في الجغرافيا، بل بداية منطقية في استراتيجية أوسع. فالحرب على الخليج لا تبدأ من الخليج، بل من كل بئر نفط قادر على تغيير ميزان السوق والنفوذ. وما نشهده اليوم هو إعادة رسم لخريطة القوة العالمية، حيث تتحول آبار النفط من مصادر للثروة إلى خطوط تماس في صراع القرن الحادي والعشرين.
وفي ظل هذا التحول الجذري في طبيعة الصراع، لم يعد كافيًا لدول الشرق الأوسط — وخصوصًا دول الخليج — أن تملك النفط، بل أن تملك قراره. فالسيادة الطاقية لا تُبنى فقط عبر تنويع الاقتصاد، بل عبر تحالفات طاقة ذكية، وبنى تخزين وتسعير مستقلة، وربط الثروة النفطية بالتصنيع والتكنولوجيا، لا بالدولار وحده. فالدولة التي لا تتحكم في مسار نفطها، ستكون دائمًا في مرمى العاصفة.
وفي زمن تُدار فيه الحروب عبر تفكيك الدول لا عبر غزوها، تصبح وحدة الخليج ضرورة استراتيجية لا شعارًا سياسيًا. فالدعوات إلى الانفصال، أو الخصومة الداخلية، أو تحويل الخلافات إلى شقوق دائمة، هي الوقود الحقيقي لحروب النفط القادمة. إن الخليج كتلة طاقية واحدة، وأمنه الاقتصادي والجيوسياسي لا يُحمى إلا بوحدة قراره، وتكامل مصالحه، وتغليب منطق البيت الواحد على إغراءات التفكك.
نحن ندخل عصرًا لم تعد فيه الحروب تُعلن من على المنابر، بل من داخل أنابيب النفط، ومن شاشات البورصات، ومن غرف تسعير الخام. من فنزويلا إلى الخليج، يُعاد تشكيل ميزان القوة عبر من يضخ، ومن يسعّر، ومن يملك القدرة على تعطيل التدفقات. وفي هذا العالم الجديد، لن تكون السيادة لمن يملك الأرض فقط، بل لمن يملك شرايينها. ومن لا يقرأ هذه اللحظة بعمق، سيفهم الحرب فقط عندما تصل إلى بيته.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد