عاجل

تعميم حكومي مهم للمواطنين .. وتنويه لهذه الفئات منهم

حظوظ الإصلاح


الكاتب : صابر العبادي
حدثتني أمي عن جدتي "عليهما رحمة الله" عن امرأة عجوز كانت تغشى المضارب تطلب الحسنة، وكانت عجوزاً مسلّية تحفظ من القصص العجيبة الكثير، لأنها خبرت الزمان وتقلباته.. عاصرت سقوط الدولة العثمانية وما صاحبها من مآسٍ.
تعرضت لمخاطر كثيرة، حين وفدت ماشية من شمال العراق الى شرق سوريا حتى استقر بها المقام شرق السلط..
قالت العجوز: عندما كان السلطان عبد الحميد، يصارع لإنقاذ الدولة، جرب كل الطرق، واستعان بالرجال، والجماعات واستمال أطراف، وأبعد أطراف، ووضع دستوراً، لكنه لم يفلح في إنقاذ الدولة، لأنه كان محاطاً بالانتهازيين الذين يتبعون لأعدائه، والمرتزقة الذين يعملون مع أعدائه لقاء المال، فكانوا يُفشلون أي خطوة في الاتجاه الصحيح، ويفعلون أفعالاً تزيد الحنق على السلطان والدولة من أهلها قبل أعدائها..
قالت العجوز: كان أبي "عليه رحمة الله" عرّافاً، اتخذ قراءة الطالع مهنة يعتاش من ورائها، وهو لم يكن يعلم الغيب، بل كانت عنده ثقة بنفسه، ويرى المعطيات من حوله فيربط بينها، ويتوقع.. وكثيرا ما كان يصل الى الصواب،  وكان يعرف رجلا يتردد اليه من كبار رجالات الدولة، قيل إنه كان يدخل الى السلطان بلا استئذان، وكان الرجل من المشفقين على الدولة ولكنه كان عديم الرأي، فحمله إشفاقة، أن طلب من أبي أن يقرأ له طالع الدولة.. 
احتار أبي كيف سيبوح له بالحقيقة التي يراها ماثلة أمام عينيه بلا قراءة طالع وبلا عرافة، ولأن أبي ذو خبرة واسعة ويحسن التصرف.. أراد أن يتخلص من الرجل بطريقة لبقة، وهو يعلم أن كلامه هذا سيكون في أذن السلطان قبل آخر النهار، لكن ما من ذلك بُد.. 
قال العراف للرجل: اذا أردت أن تعرف مستقبل الدولة، أو تعدّل مستقبلها، فما عليك الا أن تذهب الى كهف الحظوظ، وهو كهف غامض في جبل ذاهب في السماء، لا يراه إلا من يتلو طلاسم الحظ، وحتى تصله تريد رجالاً أقوياء يحسنون التصرف، يختارهم السلطان من خاصته الواثق بهم، فعليهم تقع المهمة الصعبة، فإن تصرفوا بحكمة أنقذوا الدولة، وإن اعتراهم الحمق والبلاهة، أنهوها قبل أوانها، فلذلك الحذر الحذر..
وصل الكلام للسلطان ومن ساعته، التفت حوله، ونادى أقرب المقربين منه فحدثه السلطان عن حظوظ الدول وأنها توجد في كهف في جبل "أولومبيس" في اليونان، وأن الدولة التي تريد أن ترى حظها وتصلح أحوالها مع الشعب، لابد لها من إيفاد رجل قوي ذكي مجرب، وأنت هو فجهز طاقمك، وتوجه الى اليونان..!!
...أمر سلطاني لا يمكن أن يردّه، نثر كنانته، واختار معارفه ومحاسيبه، ومن توسط عنده، وسار الركب من ساعته، منهم من كان فارساً، ومنهم حامراً، ومنهم جاحشاً، ومنهم راجلاَ يباري الركب ولا يدرى ما الخطب!! 
فسار الركب على هدي خريطة العراف، حتى وصلوا وسط الجبل، قرأ القائد الطلاسم، فانفتح لهم باب حجري عظيم، فجلس الجميع أمام الكهف، وصاروا ينظرون الى سقفه المخرّم وهو يقطر ماء، بعض الثقوب تقطر ماء بقوة وبعضها اقل وبعضها ينزل كل دقيقة نقطة وبعضها كل نصف ساعة نقطة، وبينما هم يراقبون المشهد إذ خرج لهم حارس الغار وهو من الجن، ففزع كل من عند الكهف، فقال لهم المارد لا تخافوا  واسألوني أجبكم قال كبيرهم: ما هذه (الدواليف)؟ - هي حظوظ الدول، - ولِمَ يكون بعضها قوياً وبعضها ضعيفاً؟ - حسب قوة حظ الدولة.. قال المارد: هذه المزاريب القوية، حظوظ أميركا وبريطانيا وفرنسا والصين  واليابان والدول الغنية..
- وأين حظ دولتنا؟ قال المارد: دعني أبحث عنه، غاب طويلا ثم نادى القائد وقال له: هذا الخرم الذي لا يكاد ينزل كل نصف ساعة نقطة هو حظ دولتكم.. وعليك أن لا تعبث به قد يتحسن وقد لا يتحسن!! فعاد القائد الى جماعته فتشاوروا واتفقوا على رأي القائد، بأن (ينكش) الثقب لعله ينزل الماء أكثر، فأخذ حربته وذهب الى الثقب فعالجه، فانقطع الماء، فضجت الجماعة تولول، فقال لهم انتظروا سيعود بعد قليل، انتظروا يوما أسبوعا ، شهراً، أشهراً، عندها جاءه المارد مسرعاً وقال له باللهجة العامية من شدة الغضب: "وَلَك" قُوم رَوّح، خرّبت الدنيا انت وحركتك الاصلاحية، وانت "تضرب تعاليل"..