كلٌ ميسرٌ لما خلق له


الكاتب : صابر العبادي
الإنسان العاقل، يعرف قدْرَه وطبيعة خلقه وإمكاناته العقلية والجسمية، وأهم شيء إمكاناته العقلية، فيعرف حدود عقلة ومجال تفكيره، فلا يضع نفسه في دائرة ليس مؤهلا ليخوض فيها، ولا يستطيع أن يصل الى نتيجة إن هو دخلها، لأنها فوق تفكيره إن كان يعرف حدود تفكيره..
الإنسان العاقل وليس الخيالي المنكفئ على نفسه، يدرك أن لله حكمة في كل أمر أمره وإن لم يدركها الانسان، فلا يجوز لشخص إصدار حكم منبثق من طبيعته هو، محاولاً أن يخلع ما في نفسه على الكون، ويعتبره تفكيراً صحيحاً ويلزم بها الخالق -إن كان يؤمن بوجوده-، فيستنكر مثلاً، أن في الوجود مفترِسات قوية، وضحية ضعيفة، وأن المفترِس القوي قمة في الوحشية والظلم والتعدي، وأن الضحية الضعيفة تتعرض للوحشية والظلم والتعذيب، وهذا لا يستقيم في نفسه، ولذلك هو لا يستقيم في الخَلْق، وعليه أن ينقذ هذه الكائنات من الوحشية الواقعة عليها!!! وينسى أن كل هذه الأحكام صادرة من مخلوق نَصّب من نفسه حكماً على الخَلْق وعلى الطبيعة، وهو لا يملك المؤهلات التي تجعله يصدر هذا الحكم إلا مشاعره الضيقة والقاصرة التي ظنها لذاتيته المغرقة أنها تستطيع أن تحكم على الكون، وظن أنه "يفكر" وهو "يتخيل" مع نقص حاد في الصور المخزنة في دماغه، فالذي خلق الخلائق ومحيط بكل شيء هو الذي وضع هذا التوازن البيئي، ويَسّر كل مخلوق لما خُلق له، فقد يكون المفترس مستمتع والمأكول مستمتع، فأنت لم تدخل في داخل هذه الحيوانات ومحيط بتوازنها البيئي، وخَلْعُك لمشاعرك على مشاهد الافتراس لا يعني شيئا بالنسبة لطبيعة الكون، وكثير من البشر تَدخّل في سير الطبيعة بأن يمنع المفترس من ممارسة طبيعته رحمة بالضحية، فاختل التوازن البيئي، ثم تركوا الطبيعة تسير كما خلقها الله، لتبقى متوازنة.. 
الباعث لهذا الحديث هو وجود فئة من البشر متقوقعة على نفسها، وتعتبر مشاعرها وخيالاتها هي النظام الكوني الذي قامت عليه السموات والأرض، وتسمي نفسها "تنويريين" وهم جماعة من الملحدين، يظنون أنفسهم انفتحوا على الكون وطبيعة الوجود، وحقيقتهم أنهم انكفؤوا على أنفسهم ظانين أن نفوسهم الضيقة هي الكون الواسع وأن مشاعرهم يجب أن تُفرض على البشرية، ويظنون أنهم يفكرون وهم غارقون في غرائزهم وشهواتهم التي وقفت سداً منيعاً أمام التفكير الصحيح القائم على أسس ومقدمات صحيحة توصل الى نتائج أكيدة..
كيف صورت مشاعر هؤلاء وغرائزهم أن  الأضحية تشكل وحشية بالنسبة لهم _ وهم الإنسانية جمعاء_، ...وما أدراك يا "متقوقع" أن الذي خلق هذه الكائنات وأعطاها هذا الدور جعلها تستمتع بدورها، كما يستمتع كل كائن بدوره الذي أناطه به خالقه في الحياة، فلا تجد مخلوقاً عاقلا أو غير عاقل، تذمر من دوره في الحياة، بل يتذمر من عدم اعطائه الفرصة للقيام بدوره، وهو ميسر لما خُلق له، ولكن "مفكري ردات الفعل" لا يعلمون..
وحتى تعرف أن هؤلاء مفكري "المشاعر وردات الفعل"، على خطأ أنظر لأحكامهم التي تتناقض، فالذبح حسن من فئة، وقبيح من فئة أخرى حسب مشاعرهم وردات فعلهم، فالذي يقف في وجه مشاعرهم وردات فعلهم وانحرافاتهم الغريبة على المجتمع يعتبر مجرماً وكل شيء يفعله قبيح، أما من يدعم تقوقعهم وغرائزهم كل ما يفعله حسن حتى لو ضحى بملايين الأبرياء وحتى لو أكل من دماغ القرد وهو حي..