الصورة رقم واحد


الكاتب : أ.د.فايز ابو عريضة

بحثت ونبشت مطولا في الاوراق والارشيف المبعثر والذي تعرض للتلف او الضياع احيانا لظروف الدراسة والعمل والترحال فلم اعثر اقدم منها .علما بان هذه الايام تبدا رحلة التوثيق الرقمي والتكنولوجي من الشهر الرابع للحمل ،وفي كل لحظة صورة ورسالة، وودت في هذا اليوم الذي التقطت في هذه الصورة رقم واحد وهو السابع (12/7كانون اول ،،ديسمبر ،،1961 )ولها حكاية نسترجع ما كتبت عنها سابقا *لكل صورة حكاية*  قبل ان تصبح المدارس في هذه الايام محطة عبور سهلة للجامعات، كانت هناك ثلاث امتحانات عامة في منتصف القرن الماضي تقريبا ،تنظمها وزارة التربية والتعليم بدءا من امتحان للمرحلة الابتدائية مع نهاية الصف السادس .ثم امتحان الاعدادية العامة في نهاية الثالث اعدادي ،وانتهاء بامتحان الثانوية العامة ، وكانت تتصف بالجدية والحزم دون ان يتواجد شرطي واحد في اي من قاعات  الامتحانات  ، ومن لم  يجتاز الامتحان العام  في اي مرحلة يكتفى بتعليمه لينتقل إلى الحياة في الزراعة او المهن الصناعية او غيرها من الاعمال الحرة، ورغم ذلك كان ذاك الجيل  يتقبل الامر برحابة صدر وينسحب إلى حيث تدور  به الايام،  وعدت إلى تلك الايام وانا اقلب اوراقي بعد ان عثرت على شهادة الإعدادية العامة واستوقتني  الذكريات إلى قصة الصورة التي تعلو الشهادة حيث كانت تحتاج إلى رحلة وتحضيرات تفوق رحلة جاجرين إلى الفضاء ومع الصباح الباكر في يوم من ايام كانون الاول لعام 1961 وصلنا مجموعة من الطلاب الي مدينة الخليل لاخذ صور حسب المواصفات المطلوبة للشهادة الاعدادية ،وما ان عثرنا على ستوديو الادهمي اذا لم تخني الذاكرة في الطريق إلى ثانوية الحسين بن علي وبالقرب من مستشفى الاميرة عالية، ولما دخلنا حتى وجدنا المصور مشغولا في تحميض  صور الأمس ،وكانه في مفاعل نووي ولم نجد منه الاهتمام الكافي، وقد يكون  السبب في ذلك هو الزي المدرسي الموحد(الخاكي) الذي كنا نرتديه ، واقترح احدهم ان نستمر في رحلتنا  إلى مدينة  بيت لحم حيث الخيارات الاوسع ووافقنا بدون تردد، وما ان وصلنا ساحة المدبسة بالقرب من مدرسة السيلزيان المهنية في وسط المدينة  ،حتى عثرنا على ستوديو جاك،  وعندما استعرضنا   كبير المصورين  ونحن بالزي الموحد، وفهم مغزى حضورنا، وهنا لا بد من اجراءات استثنائية فانزلنا إلى الطابق السفلي من البيت، وتناوبنا لبس القميص الأبيض مع ربطة عنق وجاكيت فضفاض ثبته علينا بمماسك خاصة تشبه ملاقط الغسيل حتى لا نبدو في داخله وكاننا نرتدي عباءة الاباء ، ولكم في الصورة عند التدقيق ما يثبت ذلك، ولرحلة العودة لاستلام الصور بعد اسبوع رواية أخرى وابرزها البحث عن صورنا (جماعة لباس الخاكي) في زوايا الطابق السفلي وكل ذلك ب 25 قرشا، ولكنها رحلة لا تخلو من المتعة لاننا ذهبنا إلى مهد المسيح عليه السلام عبر نزلة تسمى طلعة حنضل، وعرجنا إلى حضور فيلم سينما  بخمسة قروش في العرض الصباحي حتى نعود إلى البلدة قبل مغيب الشمس، ومع هذا لا زالت هذه الصور والذكريات تختبئ في الذاكرة العميقة، ولم يخطر ببالنا ان تصل بنا الامور إلى ما وصلنا اليه من خدمات المنصات الرقمية، والتي نخاطب من خلالها بالصوت والصورة سكان الكرة الارضية دون ان نتحرك خطوة واحدة ؟