عاجل

قصص قصيرة: سر دفاتر الإعاشة!


الكاتب : حسين دعسه

 داخ وهو يبحث عن تلك الدفاتر القديمة، نبش في خزانة المخطوطات، فشلت قدرته على مسك خيط الدفاتر.

 
ينحاز إلى النسخة الأصلية من دفاتر خضرة المحمد، يراها وكأنها معالم ترتبط بالجسم، يدها، عيناها، أصابعها، تلك الأحوال التي جعلته ينظف ما تبقى من اي دفتر، في تخيل ان المخطوط، يتناثر على إرض رطبة من شتاء عبر بهدوء.
 
كان دفتر الأدوية، مزدان بصورة شخصية، اسود وابيض، رديئة، وفي أماكن محددة، بيانات العجوز، صاحبة الدفتر، في الوقت الذي نادى الكاتب «خضرة المحمد،، خضرة ال محمد» لا أحد يجيب، فيقوم الكاتب من مكانه، يتقدم من أمي، يشير إلى أن دورها بإستلام الأدوية الان، يمسك يدها، واهن عصبها، حزين شتاتها، خارج التغطية سمعها.
 
تذكرت الآن، ظلال الأزرق، وثقت الدفاتر، وبالذات الصور، قلبت الاراء الزرقاء، مجرد ايقونات قديمة تدلني على حال الام الصابرة المجاهدة.
 
راجعت القيود، رأيت سر العجوز مع دفاتر الاعاشة، والعلاج، والأدوية، وهناك دفتر العائلة الذي يسرد حملها.
 
لم تتم اللحظة، كما أراد لها، عندما جعل الماسنجر يصرخ بما عندها من أسماء، وأهواء، فيخرج الصوت مشتتا، قاسيا، لكنها تقول انها تحتاج إلى دفترها، فقلت ان الامر صعب.
 
-لماذا؟
 
سؤالها حيرني، فعلا: لماذا.
 
يرى جدي لأبي، ان هذه الدفاتر كانت وسيلة التحايل كوة صرف كل ما يحتاجه اللاجئون، فبعد أخذ المعلومات منهم، كانت وكالة الغوث تمرر هذه الدفاتر، فيتم التعرف على اصحابها، أو التعرف على الثوار منهم.
 
غريب ما يروي جدي، كيف لثوار الجبل ان يقعوا في كمين دفاتر الاعاشة.
 
قال لي انهم فعلا فشلوا في الاستدلال على اي فدائي. او مجاهد، فالحال كان في الخمسينات، أصحب من اي وقت، حيث كانت دفاتر الاعاشة، تلب دورها في رشوة العاملين، فيتم صرف المخصصات، دون تدقيق، وتذهب إلى ثوار الجبل، وكهوف البيارات.
 
. عندما رجعت إلى ظلال الأزرق، كشف لي جهاز الحاسوب، صفحات من دفاتر تم التحفظ عليها، بعد وشاية، اقلقت سكان المخيم، واعادت الدفاتر إلى يد التجار الخونة، وما هي إلا أشهر قليلة، عادت الدفاتر تختلط، الحاضر بالغائب، ورجعت أرزاق الثوار.
 
ذات يوم دخلت انبش ظلال الأزرق، وتبين ان جدتي لأبي اتهمت بتمرير دفاتر الثوار، وانها شوهدت تحمل الطحين والزيت. وتكلمها لحارس الأمين، الذي كان يستلمها، دون أي صخب.
 
هي في عمق الزهايمر، تلبس ثوب عرسها وتحمل قرطلة من القش، ترقص، وتصرخ، تريد الدفتر الذي عليه صورتها، دفتر الأدوية.
 
أشد على يدها، احاول ان ادخلها معي، داخل الماسنجر، تشاهد صورتها على حافة الدفتر.
 
تصمت، ترقص رقصة مودع، لا أدري كيف تحفظ الكلمات:
 
مِنْ بـابِ الْـبِرْوِة لَـكُفُرْكَـنّا
 
ما زالِكْ عَزَبْ لَظَلَّ اسْتَنّى
 
سَخَّنّا الْمَيِّ وْعَجَنّا الْحِـنّا
 
كُلُّه عَ شانِـكْ يا امِّ الْعُيونا
 
تغني وتخرج من طورها لتصرخ:
 
يمه لوكنت سبع ما غبت عني.
 
أغلقت الأزرق، صورتها تهتز عبر ماسنجر لا يهدأ، نسخت الصورة، وهبتها لكل أطفال المخيم، قلت انها بطلتكم ام الشهيد.
 
اقتربوا من زهرة الصورة، عيونهم تخفي الدموع والاسئلة.
 
من هذه يا استاذ.
 
قال الأستاذ، انها سيدة البيارة وقلب دار المختار.
 
-زهايمر أصابها، احكي لي عنها.