عاجل

استفت قلبك


الكاتب : د. عمر جعوان
منذ اكثر من ثلاثين عاما كنت اعمل في صناعة الدواء في شركة سعودية – كانت حينها تحت التاسيس – ولم اكن حتى ذلك الوقت املك بيتا في بلدي بل كنت اسكن متنقلا من بيت لاخر.
وعندما سافرت للعمل هناك ، بدأت افكر في ان يكون لي بيت اعيش فيه مع عائلتي واولادي الاحقا، وكان دخلى الشهري يسمح لي ان ابدأ بتطبيق الفكرة على الارض ، خصوصا ان بناء البيت لم يكن يستلزم حينها ان يكون لدي مبلغ من المال يكفي من البداية للبناء والتجهيز ، لكنه يستلزم وجود ارض مناسبة للبناء ،  وان تكون الارض في منطقة عامرة وقريبة من المدارس والاسواق التي ساستعملها لاحقا ، وبناء عليه قررت المجازفة .
حضرت لبلدي في احد الاجازات وبدأت البحث عن قطعة ارض مناسيه لتطبيق الفكرة ، هداني الله الى مكتب لتسويق الاراضي وكان يعرض حينها  ثلاث قطع متجاورة معروضة للبيع ، والقطعة المتميزة منها كانت على شارعين رئيسيين ويلفها على الناحية الخلفية شارع صغير يربط ظهرها بجارتها وبالتالي فقد كانت معروضة على انها قطعة ارض على ثلاث شوارع ، وبالتالي فقد كان العرض مغري لان مساحات واثمان القطع الثلاثة متقاربة ، فاخترت تلك القطعة لاشتريها ، وهنا حصلت على درس مهم  في علم البناء  والعيش المستقبلي الذي علمني اياه  صاحب مكتب الاراضي حين قال لي ( ياولدي .. صحيح ان القطعة التي اخترتها هي العرض الافضل حاليا ولكني انصحك باختيار القطعة الثالثة وهي الابعد .. وعندما سالته عن السبب قال لي بان هذه المنطقة ستكون من اكثر المناطق اهتماما من الناس لمكانها واسعار الاراضي فيها .. وبالتالي فان اي بيت سيبنى في هذه القطعة مستقبلا سيكون محاطا بالناس من جميع الجوانب وستكون المعيشة فيه اصعب .. اما البيت الذي سيوجد في القطعة الثالثة فستكون الحياة فيه اكثر راحة لانه سيطل على الغرب من خلال شارع مخطط له ان يلتقي مع الشارع الرئيسي غرب القطعة وهذا يعني ان ساكن البيت حينها سيستمتع بالهواء العليل القادم من الغرب ولو حتى في الليل .. اقتنعت بالموضوع وهكذا كان .
ساعدني اخي المهندس والذي كا يعمل في مصنع للالبسة حينها في اختيار مكتب تصميم ووافقته على التصميم الذي اقترحه ، ثم قال لي انا ساشرف على البناء باذن الله ، وهكذا كان .
بدأت في تحويل ما يزيد من راتبي الشهري لاخي ليصرف على عملية البناء ببطؤ مع احتفاظي بمبلغ صغير للحاجة اليه في الطواريء كزيارة الاطباء وشراء الادوية وما الى ذلك ، وبعد سنة تقريبا من البدء في المشروع كنت قد ادخرت مبلغا كان يساوي حوالي خمسة عشر الف ريال ، وكنت قد قرأت حينا عن مصرف اسلامي في البحرين يعطي المودعين لديه عائد جيد ويتعامل معهم بشكل جذاب ،  ففكرت في استثمار ما املك من مبلغ في ذلك المصرف واضيف اليه كا يمكنني توفيره شهريا وبالتالي ساستخدم عائد الاستثمار في اي احتياج ضروري بدلا من استخدام المبلغ نفسه.
وقبل اتخاذ اية خطوة في الموضوع قررت استشارة مدير الشركة الذي كنت اثق في راية في كل المواضيع ، استمع الى موضوعي وكله باهتمام وكان مبتسما كل الوقت وفي النهاية قال لي كلمة واحدة .. قال ( قبل ان تتخذ اي خطوة في الموضوع استفت قلبك) ، ودخل مساعدة يتحدث معه في موضوع اخر فتركت مكتبه واتجهت لمكتبي ، وفكرت فيما قاله لي واستفتيت قلبي وقررت عدم استثمار المبلغ في البنك الاسلامي في حينه ، ثم قمت بارسال المبلغ كله لاخي عله يساعده في الاسراع  قليلا في استكمال البناء .
كان ذلك الحدث في الشهر الثاني او الثالث من السنه ، وكان اخي يبعث لي بمراحل استكمال العمل اولا باول ومن ضمنها احتياجاته في الشهر القادم على الاقل .. الا انه لم يطلب مني اي مبلغ من المال في الاشهر الثلاثة او الاربعه التي تبعت ارسالي للمبلغ اياه له مع ان العمل في البيت لم يتقف والا لاخبرني اخي بذلك في رسائله المعتادة.
حضرت لبلدي في الاجازة الصيفيه كالعادة حتى تستمتع العائلة وخصوصا الاولاد مع اترابهم الذين يحضرون مع اهلهم من كل البلاد في تلك الفترة على سبيل العادة .. وفوجئت ان  العمل في بيتي تقريبا اكتمل وعندما سالت اخي عن كيف تم العمل في البيت بهذه السرعة اجابني بان مبلغ الخمسة عشر الف دينار التي ارسلتها له عملت عمايلها وساعدت في ذلك ، استغربت ما قاله فقلت له انا لم ابعث اليك بخمسة عشر الف دينار بل بعثت لك بخمسة عشر الف ريال فما تقول بانك استلمته من البنك  يعادل حوالي خمسة اضعاف ما بعثته لك فقال اخي انا عادة لا اسال ، فانت عادة تبعث والبنك يدفع.
بسرعة ذهبت للبنك فقابلني مديره وقال لي ( نحن اكتشفنا لاحقا الخطأ الذي وقع به احد موظيفنا وبحسب النظام عندنا فقد قررنا ان يتحمل الموظف النتيجة فبدأنا في خصم المبلغ الخطأ من راتبه الشهري وعندما ينتهي الموضوع ربما نقوم بفصله من العمل) فقلت له هذا ليس عدلا .. انا من سيدفع المبلغ لكم ولكني لا املكه الان فقال المدير .. اولا شكرا لك لانك اتيت لتخبرنا بالموضوع .. وثانيا قسط المبلغ بالرقم الذي تريده شهريا .. وثالثا لن نحسب عليك اي فوائد على المبلغ .
ثم قال لي المدير : انت اول متعامل معنا في كل فروعنا في العالم الذي نعطيه قرضا وله حرية طريقة الدفع ومدتها وبدون فوائد .. 
قلت في نفسي هل يا ترى كان ذلك الموضوع شرحا عمليا لمصطلح استفت قلبك ؟