عاجل

ماذا وراء الأكمة بعد زيارة وفد حماس إلى موسكو بدعوة من لافروف ؟


الكاتب : بكر السباتين
الفرصة باتت مواتية لحماس التي تمثل المقاومة في غزة؛ كي تُحَوِّلَ الظلمَ الغربيّ الذي يطوقها بتهمة الإرهاب إلى فرصةِ نجاح سانحة، مستغلة الموقف الروسي المتأزم ضد "إسرائيل" من خلال تلبيتها لدعوة لافروف لزيارة موسكو، فماذا وراء الأكمة؟
وفد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وصل فعلاً موسكو يوم الأربعاء لإجراء مباحثات حول قضايا مختلفة، في وقت طالبت فيه "إسرائيل" وزير الخارجية الروسي بالاعتذار عن تصريحات مفادها أن "إسرائيل" أكبر دولة معادية للسامية وتمارس الإرهاب بحق الفلسطينيين، فلم تحظ برد روسي سوى الثبات على تصريحات لافروف التي اطلقها يوم الاثنين الماضي، وفق ما قالته هيئة البث الإسرائيلية، في أن لافروف قال في حديث لمحطة تلفزة إيطالية إن "حقيقة كون رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي يهودياً لا تعني غياب العناصر النازية في بلاده، وأعتقد أن لأدولف هتلر دماً يهودياً أيضاً".
 
وهي حقيقة تاريخية خلافية أكدها لافروف بطريقته ليوظفها سياسياً.
فرد حينها، رئيس دولة الاحتلال هرتسوغ في مقابلة مع صحيفة هآرتس العبرية "لقد أغضبتني (هذه التصريحات) وأشعر بالاشمئزاز " واتهم لافروف بمعاداة السامية، متوقعاً منه أن يتراجع عن كلامه وأن يعتذر.
 
وبدلاً من تقديم الاعتذار إزاء هذه التصريحات والتراجع عنها، فالخارجية الروسية التي وصفت "إسرائيل" في وقت سابق بانها دولة احتلال تنكل بالفلسطينيين تحت حماية غربية، اختارت التصعيد الذي وضع العلاقة بين البلدين على محك ازمة قد تطول.. وذلك من خلال دعوة وفد حماس لزيارة موسكو لإجراء مباحثات مع المسؤولين الروس في عدد من الملفات.
 
فروسيا لا تنسى وقوف "إسرائيل" في السابع من أبريل الماضي إلى جانب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الانسان التابع للمنظمة الدولية بسبب غزوها أوكرانيا. لا بل أن أجهزتها الاستخباراتية رصدت العدد الكبير من المتطوعين الإسرائيليين الذين انضموا إلى صفوف ما اسمتهم بالنازيين الجدد في أوكرانيا.. ما دفع الخارجية الروسية لاتخاذ قرار بدعوة الوفد الحمساوي إلى موسكو.
 
وهذا بحد ذاته خطير للغاية بالنسبة ل"إسرائيل"، دولة الفصل العنصري التي تمارس الإرهاب بحق الفلسطينيين وتحتل بلادهم في ظل ازدواجية المكاييل؛ لا بل أنها تعاني من المقاومة الفلسطينية الصلبة الرادعة المحنكة التي أحرجت موقفها الأمني وتهدد كيانها الطارئ وباتت تمتلك قواعد الاشتباك وتسيطر على الراي العام الفلسطيني وقلبت الطاولة على سلطة التنسيق الأمني.
فكيف إذن وأكبر فصائلها زارت موسكو وبحثت مع القيادة الروسية بعض الملفات المعنية بها.
 
هذا ما تَكَشَّفَ للعيان من ظاهر الزيارة المفاجئة، فماذا تبقى إذن من أسرار خلف الأكمة!
الجدير بالذكر أنه في نهاية العام 2019، ورداً على الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، ومحاولة فرض مشروع صفقة القرن على الفلسطينيين؛ استقبلت موسكو وفداً من حماس إلى جانب وفود من الفصائل الفلسطينية الأخرى تضم فتح والجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي في إطار مساع لإحياء المصالحة الفلسطينية، ووجهت دعوة لاستضافة حوار فلسطيني داخلي، إلا أنه لم يتم لأسباب غير معروفة.. وقيل حينها بان الإلغاء تم من خلال تفاهمات إسرائيلية روسية منحتها موسكو الأولوية، وظل الموقف الروسي إزاء الاحتلال الإسرائيلي مرهون بموقف تل ابيب إزاء سوريا.. والذي تبدل بداية هذا العام حينما أعلنت روسيا نهاية فبراير الماضي 2022 عبر بعثتها الدبلوماسية في الأمم المتحدة، عن عدم اعترافها بسيادة "إسرائيل" على الجولان السوري المحتل، حيث قال نائب السفير الروسي لدى الأمم المتحدة ديمتري بوليانسكي إن الجولان هو جزء لا يتجزأ من الأراضي السورية، معبراً عن قلق موسكو من خطط تل أبيب الاستيطانية في المنطقة المحتلة، ومشيراً في الوقت ذاته إلى أن هذه الأعمال تتعارض مع أحكام اتفاقية جنيف لعام 1949. وجاء فتح روسيا ملف الجولان عقب تصريحات إسرائيلية داعمة لسيادة أوكرانيا التي تتعرض لغزو روسي واسع النطاق منذ فبراير الماضي.
وفي تقديري أن زيارة حماس الأخيرة لموسكو تتضمن في باطنها وعود بدعم روسي عسكري للمقاومة تحت ستار الدعم السياسي ورغبة الدب الروسي بتوحيد الصف الفلسطيني الذي بات عميقاً كون هذا الخلاف الداخلي يقوم على استراتيجيتين متناقضتين ، وهما:
الأول: خيار المقاومة بكل أشكالها، وهو ما تتبناه حماس، انسجاماً مع تطلعات غالبيةِ الشعب الفلسطيني سواء كانوا في الداخل أو في الشتات بالإضافة إلى الفصائل الاثني عشر التي تتخندق معها في غرفة العمليات المشتركة في القطاع المحاصر.
الثاني: العودة إلى خيار المفاوضات العقيمة التي تتبناه السلطة وبعض قادة فتح دون التنازل عن اتفاقية التنسيق الأمني التي يعتبرها الفلسطينيون وصمة عار.
لقد ضاق العالم ذرعاً بالسياسة التي ينتهجها الغرب من خلال الكيل بمكيالين إزاء تصنيف مقاومة الفلسطينيين للاحتلال بالإرهاب مقارنة بأوكرانيا التي تدرج فيها المقاومة تحت مفهوم الدفاع المشروع عن النفس، في المقابل توصف "إسرائيل" التي تمارس سياسة الإرهاب والفصل العنصري وحرب الإبادة ضد الفلسطينيين منذ عام النكبة 1948 بالدولة الديمقراطية التي تدافع عن نفسها ضد الإرهاب الفلسطيني! فيما توضع روسيا التي يتهمها الغرب بممارسة نفس الدور في خانة الإرهاب.. فهل تقبل روسيا العظمى التي تمتلك حق الفيتو في مجلس الأمن بذلك!؟
حتى أن بعض الشخصيات اليهودية العالمية انتقدت هذه الازدواجية المكشوفة للقاصي والداني، ففي نهاية 2021، رأت نيفيل (وهي عضو في مجلس إدارة منظمة "الصوت اليهودي من أجل السلام" التي تنشط في الولايات المتحدة وتطالب بتحقيق العدالة للفلسطينيين ومقاطعة إسرائيل): "أن محاسبة دولة قومية على انتهاكاتها لحقوق الإنسان والقانون الدولي لا يمكن أن يُعَدُّ بأي حال من الأحوال تمييزاً عنصرياً أو معاداة للسامية".
وبذلك يتفق كلامها مع توجهات لافروف.. فإلى أي مدى قد تتأذى "إسرائيل" من جراء تداعيات الأزمة التي لا تصب في صالحها! وماذا لو انتصرت روسيا ولو نسبياً في حرب ضروس تقودها أوكرانيا بالوكالة عن أمريكا والغرب ضد روسيا التي ما زالت تدير الاشتباك من منطلق الخصم الأقوى في حرب ضروس؟
الإجابة مرهونة بتداعيات زيارة وفد حماس لموسكو وانعكاسات ذلك على الأرض بعد انعدام الثقة بين كيان صهيوني مصطنع، ودولة عظمى كان لها السبق في الاعتراف بهذا الكيان العنصري منذ احتلاله لفلسطين، وتذوق اليوم مرارة الكيل بمكيالين في حربها مع حلف الناتو من خلال أوكرانيا. وللقصة بقية!