الأردن وأزمة الغذاء والطاقة


الكاتب : د. عمر خليف الغرايبة

 أزمة غذاء إلى جانب أزمة طاقة بدأت تضرب بشدة دول كثيرة في جميع أنحاء العالم، فقد بدأت واضحة وجلية الأزمة في لبنان، ثم تبعها بفترة قصيرة إفلاس دولة ناشئة مثل سريلانكا، وهناك دول ناشئة أخرى مهددة بالإفلاس أو أزمة أمن غذائي خلال الفترة القادمة، لذلك جاء هذا المقال للوقوف على أهم الأسباب التي أدت إلى إفلاس هذه الدول، وما هو المطلوب منا فعله كحكومة ومواطنين لكي نتجاوز هذه المحنة إن شاء الله. 

 
    بالنظر إلى لبنان فقد عانت لفترة طويلة من الانقسامات العمودية والخلافات السياسية الحادة، وتعمقت المحاصصة والطائفية، وانفجر مرفأ بيروت عام ٢٠٢٠ الذي يمثل الرئة والمتنفس إلى لبنان، وتجاوز الدين فيها ١٢٠٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وإلى جانب ذلك لاحظنا كيف انخفض سعر صرف الليرة اللبنانية بشكل حاد في الثلاث سنوات الأخيرة من ١,٥٠٠ ليرة لبنانية مقابل الدولار الأمريكي الواحد إلى أن أصبح ٣٠,٠٠٠ ليرة لبنانية مقابل الدولار الواحد في عام ٢٠٢٢، وانخفض الاحتياطي من العملة الأجنبية في البنك المركزي اللبناني من ٢٠ مليار دولار إلى ما دون ٥ مليار دولار، ما أدى إلى عدم قدرة الحكومة من استيراد الحاجات الأساسية من الغذاء والوقود والدواء من جهة، وعدم قدرة الحكومة على سداد ديونها من جهة أخرى، فعانى اللبنانيون من نقص الحاجات الأساسية، وتعثرت لبنان كدولة في سداد ديونها.  
 
    سيرلانكا جزيرة تقع في شمال المحيط الهندي جنوب شبه القارة الهندية، موقعها استراتيجي تربط بحريا غرب آسيا مع جنوب شرقها، لكنها أيضا عانت من حرب أهلية حادة امتدت تقريبا ربع قرن من ١٩٨٣ إلى ٢٠٠٩. 
    تتشابه أزمة لبنان مع أزمة سريلانكا نسبيا حيث أن معدل المديونية تجاوز ١١٩٪ من الناتج المحلي الإجمالي حتى عام ٢٠٢٢، لتصل ديونها الى ٥١ مليار دولار، حوالي ١٢ مليار دولار منها على شكل سندات سيادية للصين والهند واليابان، وانخفض سعر صرف الروبية السريلانكية تقريبا ٨٠٪ خلال الشهور الأخيرة من هذا العام، من ٢٠٠ روبية مقابل الدولار الأمريكي الواحد إلى أن أصبح ٣٦٠ روبية مقابل الدولار الواحد، وبالتالي التضخم ارتفع ليتجاوز ١٨٪، والأهم من ذلك أن الاحتياطي من العملة الأجنبية في البنك المركزي السريلانكي انخفض بشكل حاد في آخر سنتين من ٧,٦ مليار دولار إلى أقل من مليار دولار، جميع العوامل السابقة أدت إلى نقص الغذاء والوقود وانقطاع الكهرباء، مما أدى إلى إعلان سريلانكا عن افلاسها. 
 
    نلاحظ أن العامل المشترك الذي أدى إلى إفلاس هذه الدول، هي الانخفاضات الحاد في قوة عملتها الشرائية، وانخفاض احتياطياتها من العملة الأجنبية إلى أدنى مستوياتها، كما عانت هذه الدول من حروب أهلية أو انقسامات سياسية طائفية حادة لفترات طويلة من الزمن، وهذا إنعكس على تصنيف هذه الدول استثماريا، حيث تراجعت لبنان في عام ٢٠٢١ على مؤشر الفساد إلى مرتبة ١٥٤ من أصل ١٨٠ دولة، بينما سريلانكا تم تصنيفها في نفس العام إلى مرتبة ١٠٢ بناء على تقرير مؤشر مدركات الفساد Corruption Perceptions Index الصادر عن منظمة الشفافية الدولية. 
 
    الأردن ما زال بعيد عن ما يحدث في لبنان و سيرلانكا، و لكن المخاطر ما زالت موجودة وفي البدايات، حيث أن سعر برميل نفط خام برنت تجاوز ١١٠ دولار، ومن المتوقع أن يرتفع سعره بسبب عاملين هما شح الإمدادات الناتجة عن حظر النفط والغاز الروسي، والذي يؤدي إلى نقص المعروض النفطي العالمي من جهة، بالمقابل فتح القطاعات ورفع الإغلاقات في الصين سيؤدي إلى زيادة الطلب على النفط من الجهة الأخرى. 
    إذا، ما هي الإجراءات الاستباقية التي تترتب على الحكومة والمواطنين فعلها في قادم الأيام والسنوات؟ على الحكومة والمواطنين اتباع سياسات زراعية غير تقليدية لمواجهة نقص أو غلاء أسعار المواد الغذائية وعلى رأسها الحبوب، حيث تتمتع زراعة  النباتات غير التقليدية بمستويات عالية جدًّا من المقاومة الطبيعية لإجهاد الجفاف أو إجهاد الأملاح أو الاثنين معًا، كما أن التوسُّع في هذا المجال يؤدي إلى تحسين تنوُّع المحاصيل المزروعة في الأردن، وتنوُّع عناصر الحمية الغذائية لدى الأردنيين، الأمر الذي سيساهم في تعزيز الأمن الغذائي الأردني، كما على الحكومة الأردنية توسيع الإعتماد على الطاقة المتجددة، والإسراع في شراء حاجتها من النفط عن طريق تفعيل العقود المالية الآجلة أو الخيارات المالية لتجنب شراء النفط بأسعار مرتفعة في قادم الأيام.