عاجل

أمي الوطن


الكاتب : د. محمود العمر العمور
بيد باركها الله، تلك التي تحنّت بتراب الوطن، حرثت، بذرت، غرست، رعت، سقت، حصدت، بنت، حجرا فوق حجر، حتى علا بنيان هذا الوطن.
 
 تكللت تلك الجباه بسمرة شمس الضحى، وبوركت بسجدة في محراب بيت ربها، وتلك السواعد السمر، حملت المنجل بيد، والقلم بالأخرى، وحضنت البندقية، قاتلت على أسوار القدس، وفي باب الواد واللطرون، وعلى أرض الكرامة، سقت بدمائها تلك الأرض الطاهرة المقدسة، وأزهرت الأرض بشقائق النعمان، لونها لون الدم.
 
أيها الوطن الأم، نهضت منذ الصباح الباكر، تخبز خبز العطاء، تطعم الولد والجار والمحتاج وعابر السبيل، تلملم أشياءك البسيطة، ترتب محتويات البيت، تزينه، تعطره، ثم توقظ أبناءك للجد والاجتهاد والعمل، تمسح على رؤوسهم بكف الحنان، تغسل وجوههم بماء الأمل، وتلبسهم من بسيط الثياب ما يقيهم حر الصيف أو قر الشتاء، وعلى جبينهم تضع قبلة الحب.
 
أيها الأم الوطن، رغم حاجتك، إلا أنك فتحت ذراعيك لكل مهاجر فقد أمه الوطن، ضممته إلى أبنائك أسرة واحدة، وآثرت على نفسك ولو كان بك خصاصة، ونهض بك أبناءك من كل المنابت والأصول، فمنهم من كان للبر مثالا، ومنهم مقصر، ومنهم دون ذلك، وآخرون عقّوك، وما يزالون يمارسون العقوق بكل أصنافه وألوانه وفنونه، أخذوا يعرونك من بقية باقية من ثياب تسترك، ليتخذوها ريشا وحريرا لهم، ليكون الفقراء والمساكين والكادحين لباس التقوى الذي يسترك.
 
وطني الأم، أنت لست مدينة دون أخرى، أنت بمدنك كلها، بقراك ومضاربك ومخيماتك، بحضرك وريفك وبدوك، بجبالك وسهلك وصحرائك وبحرك، بشمالك وجنوبك وشرقك وغربك، بكل عشائرك وأبنائك من شتى الأصول والفروع والمنابت.
 
أمي الوطن، لأجلك نحمل الحجارة على عاتقنا، نشدها على البطون، ونقول للذين يدخلون من بابك، ومن النوافذ يخرجون، رفقا بهذا الوطن الجميل، وبهذه الأم الحنونة المعطاءة، ألم يأن لها أن تضع رأسها على كتف أبنائها ومن عنائها أن تستريح، أم الجميع تضمهم، وعينها باتت تحرس الحدود، في رباط إلى يوم الدين.