رُباعيَّة مَكَّة لدعم الأردن: استجابةٌ أم استدارةٌ؟


10/06/2018 14:34

د. حسين البناء

يَنعقد في السعودية مؤتمر (مَكَّة) لدعم الأردن، ويشارك فيه كلٌ من الأردن والسعودية والإمارات والكويت، ويُتَوقع (كما تمّ بيانه) أن يناقش المؤتمر (الأوضاع الاقتصادية) الصعبة التي يَمُر بها الأردن حاليًا والتي كانت سببًا مباشرًا لموجة الاحتجاجات الأخيرة والتي امتدت لأسبوعٍ ساخنٍ ومُقلق، انتهى بالاستجابة لمطالب المحتشدين بإقالة حكومة (د. هاني المُلقي) وتكليف (د. عمر الرزّاز) ووقف تسعيرة المشتقات النفطية لهذا الشهر و الوعد بسحب (قانون الضريبة المُقترح) المُثير للجدل.
 
الأردن، ومنذ العامين تقريبًا يَمُر بضائقةٍ ماليةٍ حرجةٍ، وأزمةٍ اقتصاديةٍ خانقةٍ، تزامنت مع تراجعٍ ملحوظٍ في حجم الدعم المالي والهبات والمِنح التي كان يتلقاها كالمعتاد من عدة أطراف مانحةٍ دوليةٍ وإقليميةٍ أبرزها دول الخليج العربي والولايات المتحدة الأمريكة، تزامن كُلّ ذلك مع حالة (الركود التضخمي) في السوق الأردني، كنتيجةٍ لجمود (سوق العقار) وتراجع تحويلات المغتربين وخاصةً من دول الخليج التي تعاني من تبعات أسعار النفط وحرب اليمن.
 
السبب المباشر للأزمة الاقتصادية يتمثّل في تراكم عجز الموازنة العامة الأردنية، والتي اضطرت الحكومات المتعاقبة للاقتراض في سبيل سد العجز في الموازنة، داخليًا وخارجيًا، والانخراط في برنامج (التصحيح الاقتصادي) الذي يقود توجهاته (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) منذ بدايات الأزمة عام 1989 وما تبعها من أزمات بعد ذلك.
 
مؤتمر (مَكَّة) اليوم لا يُمكن نزعه من سياقه؛ فهو استجابةٌ لما شهده الأردن من احتجاجات واسعة شَكّلت حالةً من (القلق والترقب) على كافة المستويات المحلية والعربية والعالمية حتى، وظهر ذلك في حجم الاهتمام والتغطية والمتابعة الحثيثة من جميع الأطراف؛ فعندما يُذكر الأردن فإن جميع حساسيات (الجيويوليتيكس) تكون حاضرةً وبقوةٍ؛ فهذا البلد (بِحكم موقعه ودوره) يتوسط الإقليم الأكثر اضطرابًا في العالم، فإسرائيل من جهة وما يعنيه ذلك من تبعات للصراع العربي الإسرائيلي، والعراق وسوريا من جهةٍ أخرى وما يعنيه ذلك من نفوذ إيراني وروسي، والصحراء العربية من جهة أخرى وما يعنيه ذلك من حدود ممتدة ومفتوحة لأعمال التهريب وتدفق الإرهاب.
 
 مؤتمر (مَكَّة) اليوم يُمثّل كذلك استدارة في الموقف الخليجي الذي اتسم مؤخرًا بالجفاء وتباين المواقف خاصةً فيما كان يَمَس القضايا الأردنية الحساسة، كالوصاية على القدس، واللاجئين، وتعقيدات (صفقة القرن) "الترامبية" بامتياز. وليس خافيًا على أحد، تلك الطروحات الجريئة التي بات يطرحها الكثير من المُنَظِّرين والكُتّاب الأردنيين مؤخرًا والتي تقضي بحتميّة توجه الأردن (لحاضنة تحالفات جديدة) تتعاطى مع حقائق الأرض وحساسيات الموقف التاريخي، ولم تكن مشاركة (الملك عبدالله بن الحسين) في قمة (استنبول) سوى جزءٍ من تلك الصورة، فجميعنا يَعلم أن (إيران و تركيا والصين وروسيا) راغبةٌ جدًا في الاستثمار في (الحالة الأردنية) والتموضع في ذلك الجزء من العالم. في ضوء تعقيدات كل ذلك، كان لا بُد من تدخلٍ خليجيٍ مباشرٍ في المسألة، كإعادة استدارة في الموقف من الأردن، وتجاوز بعض (التفاصيل وربما الكُلّيّات) سَدّاً للذرائع وتوجسًا من التبعات.
 
أكان مؤتمر (مَكَّة) اليوم هو (استدارةً أم استجابةً) ففي كلتي الحالتين لا بُدّ من تأكيد حقيقتين: أولاهما أن الدعم المالي الخليجي للأردن هو نمط تقليدي قديم، وبات يُؤخذ كثابتٍ في الحسابات الاقتصادية الأردنية، والتوقف أو التراجع المفاجيء له من شأنه خلق اضطرابٍ في غالب المؤشرات الاقتصادية. والحقيقة الثانية أن (عَقْل الدولة الأردنية) قادرٌ على إدارة الموقف بما يخدم المصلحة الوطنية العليا وبخياراتٍ مفتوحةٍ على كل الاتجاهات.