التوتّر اللبنانيّ: خلفيّات وخيارات

mainThumb

12-02-2008 12:00 AM

ذهبتْ بعيداً أقوال قادة الغالبية البرلمانيّة في لبنان وتصريحاتهم، وهي بالتأكيد خلقت جوّاً من خوف معلن صريح لا يشوبه التمويه.
بيد أن أحداً لا يجدّد اكتشاف النار حين يستعيد الحقيقة القائلة إن طاقة الطوائف على العدوى بلا حدود. فمن يهدّد بالويل والثبور يعلّم الآخرين كيف يهدّدون، ومن يتسلّح يدعو خصومه والخائفين منه الى التسلّح. هكذا دواليك والبادي أظلم طبعاً، إلاّ أن من يستجيب بالعملة نفسها ربّما فكّر في إنشاء «توازن رعب» ينهض على استراتيجيّة «حافّة الهاوية» الشهيرة التي تردع من الحرب بمجرّد إشهار قدرة الطرفين على قتال «يأتي على الأخضر واليابس». وهذا لا يلغي التحفّظ عن تطبيق المبدأ المذكور على طوائف لا تملك القرار ووحدة القيادة والحكمة مما تملكه القوى العظمى وبه تضبط «توازن الرعب». فهنا، تملك ردود الفعل العفويّة والمباشرة قدرة على إشعال حرائق قد لا تجد من يطفئها.

على أية حال فما فعله رموز الغالبية، أو بعضهم، ليس أكثر من جهر بحالة قائمة يجسّدها أكثر من عنوان واحد ملموس جدّاً.

فاللبنانيّون، أمنيّاً، لا يعانون فقط الصدامات الموضعيّة المتقطّعة والاغتيالات المتنقّلة، بل هم أيضاً ينامون فوق غابة من صواريخ ليست غالبيتهم على قناعة بضرورتها، كي لا نقول فائدتها، فيما كلّهم يستشعر أكلافها الباهظة، بل الوجوديّة، الراهن منها والمحتمل.

وهم، أو أغلبهم، يشعرون، سياسيّاً أن دولتهم ومؤسّساتها جميعاً مهدّدة بالفراغ الذي يتيح لدمشق أن تؤكّد كيف أن حضورها المباشر في لبنان شرط للفعاليّة فضلاً عن السلام الأهليّ. أي أن استقلالهم وقرارهم مهدّدان بالضمور.

وهم، ثقافيّاً واجتماعيّاً، يحاصرهم خوف على نمط حياة عزيز وغنيّ نسبيّاً يُشرعهم على سائر العالم المتقدّم وينأى بهم عن عالم اللون الأسود والقبضات المتشنّجة التي تلوّح في الفضاء.

ولربّما صحّ القول إن اللبنانيّين اليوم، وللمرّة الأولى، تندمج في حياتهم، على نحو بعيد من الإلحاح، مسألتا الوجود الوطنيّ والتقدّم، فضلاً عن الحسابات المألوفة للطوائف ومصالحها وموقعها في التوازن الوطنيّ. وهذا ما يوفّر للاستقطاب موادّه القصوى ووقوده الشديد الالتهاب. فما هو معروض عليهم من قبل «حزب الله» وحلفائه ليس مجرّد خطّ سياسيّ، ولا حتّى حروب مفتوحة على الفناء، بل، كذلك، وجهة تتضارب مع كتب قرأوها وأفكار تشرّبوها وأفلام سينما شاهدوها. ولهذا نرى بعض من هم أشدّ جذريّة في رفض المنحى المذكور يندفعون بعيداً في ما خصّ الأمور التي ظُنّ أنها مقدّسات وإجماعات لا يدانيها الشكّ. فليسوا قلّة اليوم من يقولون: إذا كانت وحدة الوطن تستدعي كلّ هذا فلنطرح على الطاولة الوحدة تلك، لأن حياة البشر وخياراتهم أهمّ من الأوطان ووحداتها. وليسوا قلّة أولئك الذين يرجون خلاصاً لا شروط لهم على من يأتيهم به، من داخل الحدود أو من خارجها، إذا ما كانت مصلحة المخلِّص تتقاطع مع مصلحة المخلّ?Zص.