أحزمة البؤس في أزقة المدن

mainThumb

23-06-2010 07:16 AM

العمل هو الذي حرم آبائنا وأجدادنا من حقهم في التعليم و مواصلته في الريف الأردني لعدم توفر المدارس وانخراطهم في سلك العمل مبكرا في ذلك الوقت حيث حولوا الصخروالحجر الى تربه حرثوها وفلحوها وزرعوها وبعرقهم سقوها وهم براعم وبالرغم من ذلك تعلموا القراءة والكتابة والكثير من القيم التربويه والعادات والتقاليد الأصيله المستمده من ديننا الاسلامي الحنيف على يد خطيب البلد مقابل البيضه والرغيف وعود الحطب والدرهم ممن اقتدر.



 من المؤكد ان الريفي لا يحب الهجرة, بحكم ارتباطه بالأرض والأهل, فهو يشتاق باستمرار الى عشيرته وذويه وداره التي تؤويه وبير الميه الذي يرويه , وحتى الأغنية الريفية لا تتغنى عموما الا بالأرض التي تعطيه وظل الشجره التي تحميه من الحر وبلاويه ... الا ان الظروف كانت اقسى من ان يبقى الريفي بأرضه...فقرر أن يغادر هو وعائلته ويترك معشوقته ويتخلى عن أحلام اجداده ليحلم من جديد داخل المدينه ولم يتخيل بأن أحلامه ستتحول الى كوابيس له ولعائلته. غادر ابن الريف الأردني الطبيعة الخضراء والتربة الحمراء والوادي والجبل في قريته بحثاً عن لقمة العيش في أزقة المدن, وبدأ مشواره يبحث عن رفيق له في المدينه يعينه ويوجهه ! كيف لا والريفي لا يرافق الا الريفي, ولا يذهب الا الى المقاهي الريفية او على الأقل يتواجد بها عدد من الريفيين, حتى يستطيع ان يتكلم بلغته الريفيه, فهو لا يرتاح نفسيا الا للريفي ولا تطرب إذنه الا للكلمات الريفية, تعذر هذا وذاك وتململ أولاده وأصابهم الضجر فهم لم يتعودوا الحصار داخل الحجر, واللعب بعيدا عن المطر وقصر في النظر, لا تينه ولا زيتونه ولا مبصله أو شنينه !



 في المدارس غريب وغريبه ! ولبس الحجاب صار تخلف ورذيله ! وال(ق)..(ء) وال ... والضحكه مدويه والنظرات فيها ريبه, والبنت قالت لأخيها لماذا المدينه؟ هل والدي ترك القريه فليله؟ وشكوى مستمره من البنت وأخوها لأمها وأبوها ,عن عاداتنا وقيمنا مانتحول,والمعلمه لو قالت لي مليون مره (ك) لألفظها (CH ) والي بده يصير يصير! , يمه وييابه اشتقنا لدار جدي ولعمامي وعماتي واذا بدك الصحيح ما حبينا المدينه , ولا الشقه ولا كل شيء فيها ! بس لا تزعل يابه احنا مش قادرين نعيش فيها ولا ماهو رأيكم دام فضلكم؟



يوما بعد يوم ازدادت حيات ابن الريف بؤسا على بؤس ليكتشف متأخرا ان ثمة علاقه قويه بين انتشار أحزمة البؤس في المدن المكتظة والجريمه بكل أشكالها، فقرر أن لا يدفع هو وأبناءه ثمناً باهظاً لهذا التحول في أمنه واستقراره وفي غده الذي بات مهددا حيث أحاطت به ظواهر العنف والجرائم بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسيه من كل حدب وصوب, في الشارع والمدرسه , في مكان العمل وعند بياع الخضره وفي كل محل! وقرر العوده من جديد وترك المدينه بعد أن نزلت عليه السكينه, ليعتذر من ريفه ولفيفه ويتلقى عتاب البشر قبل الشجر والحجر! وماء البئر الذي هجر, ويعلن توبته ويغير لهجته ويخلع ملابس المدنيه ويغتسل من افرازاتها الجهنميه ويتوضأ من بئره الذي تنفس من جديد ويحمل بيده المعول والحديد ويصلي تحت الشجره ويحمد الله عز وجل أنه عد للعشره قبل أن يصبح بين الناس مصخره وعاد بسرعه ودون شوشره .



 في اليوم الثاني لاستقراره زاره كل جيرانه,وأهله وأقربائه , رأى البسمه في عيني والديه وزوجته وولديه ,فسرت فيه جسمه رعشة أعادته للحياة من جديد وزار أرضه وعلق الأرجوحه يجدع الخروبه وجلس تحت معرش الدوالي مع زوجته ينظر الى أولاده يتمرجحون مستمعا الى أغنية سلوى العاص: (بين الدوالي في الكرم العالي يا محلا السهرة والبدر يلالي بين الدوالي سحجتنا بتلعب محلا دبكتنا شبان بتطرب زادت فرحتها بين الدوالي حط ايدي بيدك خليك بجنبي لاسمع قصيدك وافرح قلبي بين الدوالي جنب العريشة نرقص و نغني محلاها العيشة و احنا في الجنة بين الدوالي صباب القهوة دور بدلتها ها السهرة الحلوة ماني مفوتها بين الدوالي)


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد