حماس بين حزب الله - ايران و معسكر الاعتدال السني

حماس بين حزب الله - ايران و معسكر الاعتدال السني

07-08-2013 01:18 PM

اعترف بأنني لم ارتح لقرار قيادة حركة حماس باغلاق مقرها الرئيسي في دمشق، وقطع جميع علاقاتها مع حلفائها في طهران وبيروت (حزب الله) ليس دفاعا عن هؤلاء، وانما لعدم ثقتي في البديل العربي المعتدل الذي يشكل تناقضا استراتيجيا مع مواقفها وقيمها ونهج المقاومة الذي تتبناه، اولا، وحتى لا نتهم كفلسطينيين بنكران الجميل، فلماذا تقطع حماس علاقاتها مع ايران وتعاديها بشراسة في وقت تعتبر فيه السفارات الخليجية في طهران هي الاضخم بين قريناتها، ويحظى فيه زعماء ايران بحفاوة واستقبال الابطال اثناء زياراتهم لهذه الدول.

كلامي هذا لن يعجب الكثيرين في اوساط ما يسمى بالجناح "البراغماتي" المعتدل داخل الحركة، كما انه سيثير غضب بعض الاخوة الاسلاميين المتشددين الذين يرون في ايران وسورية وحزب الله اعداء من منطلقات مذهبية، ولكن من واجب المرء ان يكتب ويحلل ويعبر عن وجهة نظره دون تردد في مثل هذه المرحلة الخطرة التي تقف فيها الامة على فوهة بركان، قد يكون من ابرز نتائجها اشعال فتيل حرب طائفية يقتتل فيها المسلمون ابناء العقيدة الواحدة، وتتعرض بلدانهم للدمار ومن ثم التفتيت.

بعض قيادات حركة حماس تسرعت في مواقفها بتبني قراراتها، ولم تنظر للامور من منظور استراتيجي بعيد النظر، او هكذا نعتقد، وغلبت عليها الاعتبارات المذهبية، التي تقدمت عما عداها من اعتبارات اخرى، الامر الذي ادى الى وقوعها في المأزق الحالي الذي تعيشه، حيث وجدت نفسها دون حلفاء تقريبا، ومحاصرة في قطاع غزة الذي لا تزيد مساحته عن 150 ميلا مربعا، وقياداتها مشتتة في عواصم عربية عدة، وانفاقها مدمرة او مغلقة، وتواجه حملات اعلامية شرسة في القاهرة تشوه صورتها، وكل الفلسطينيين من خلفها.

عندما كنت في العاصمة الاردنية عمان مطلع العام 2012 ساعة اعلان قرار الحركة بمغادرة دمشق، وسط ضجة اعلامية كبرى مؤيدة ومتعاطفة بسبب حالة الاستقطاب على ارضية العداء المطلق للنظام السوري وحلوله الامنية التي اودت بارواح عشرات الآلاف، اتصل بي احد قادة حركة حماس وطلب مقابلتي لشرح الدوافع الحقيقة لهذا القرار ولخصها في اربعة:

اولا: شعور قيادة الحركة بعدم الامان بسبب رجحان كفة الثورة السورية ومقاتليها على الارض، وتراجع فرص النظام في البقاء.

ثانيا: توصل هؤلاء، اي بعض قادة حماس، الى قناعة راسخة بحتمية العودة الى البيت السني، واتباع نهج التيارات الاسلامية العربية التي تعادي النظام السوري، وتعمل من اجل سقوطه بكل الطرق والوسائل لانه يشكل خطرا على الامة وليس على سورية فقط.

ثالثا: ممارسة النظام السوري ضغوطا شرسة على قيادة الحركة المقيمة في دمشق من اجل الوقوف الى جانب النظام تحت عنوان مواجهة المؤامرة التي يتعرض لها من قوى غربية واسرائيلية.

رابعا: حركة حماس كثورة وحركة مقاومة ضد الاحتلال لا يمكن الا ان تقف في خندق الثورات العربية، وان تنحاز للشعوب العربية المقهورة الثائرة على الديكتاتوريات القمعية.

اتفقت مع هذا المسؤول الصديق في بعض النقاط والتوجهات، واختلفت مع بعضها الآخر، وانتقدت الطريقة التي جرى من خلالها الاعلان عن اغلاق المقرات في دمشق، وتمنيت لو قطعت الحركة الطريق على من ارادوا توظيف قرار الاغلاق هذا اعلاميا بطريقة بشعة لا تخدم القضية الفلسطينية، التي هي قضية المسلمين جميعا بغض النظر عن مذاهبهم، وكان من الطبيعي ان لا ترضي هذه الانتقادات المسؤول الصديق، فعلامات الامتعاض كانت بادية على وجهه، ولكنه احترم وجهة نظري هذه، ولم تتأثر علاقات الصداقة بيننا، واستمر حبل الود سميكا حتى هذه اللحظة.

الآن وبعد عامين من قطع شعرة معاوية مع المعسكر الآخر، الحلفاء القدامى في معسكر "الممانعة" تتردد انباء عن وجود اتصالات مكثفة بين حركة حماس والجمهورية الايرانية لاعادة وصل ما انقطع، وربما يؤدي الى زيادة الدعم المادي والعسكري واللوجستي للحركة.

صحيفة "الديلي تليغراف" البريطانية كشفت ان الدكتور موسى ابو مرزوق عضو المكتب السياسي في حركة حماس ونائب امينها العام سابقا (اطيح به من المنصب اثناء الانتخابات قبل ثلاثة اشهر) زار بيروت واجرى مفاوضات مع مسؤولين ايرانيين في مقر سفارتهم في بيروت لاعادة توطيد العلاقات على ارضية مقاومة الاحتلال، ووجد تجاوبا كبيرا في هذا الصدد.

السيد احمد يوسف، شيخ "الجناح المعتدل" في حركة حماس كشف قبل ايام عن اتصالات تجريها الحركة مع "الاشقاء الايرانيين" لاعادة العلاقات بين الجانبين الى صورتها السابقة.

شرحنا اسباب الحركة لقطع العلاقات مع معسكر الممانعة، والآن لا بد من شرح الاسباب التي ادت الى هذا الانقلاب الجديد وغير المفاجئ لاعادة المياه الى مجاريها ويمكن تلخيصها في الاسباب التالية:

اولا: اطاحة نظام حركة الاخوان والرئيس محمد مرسي رأس حربته في القاهرة واعتقال معظم رموز الحركة، واشهار الحكم العسكري لسيف العداء لحماس، وتحميلها مسؤولية كل مصائب مصر، واعتقال كل من يتصل بها باعتبارها وليس اسرائيل الخطر الاكبر على الامن القومي المصري بمن في ذلك الرئيس مرسي.

ثانيا: تشديد الحصار المالي والاقتصادي والسياسي على حركة حماس من قبل السلطات وتجفيف كل قنوات الدعم المادي لها.

ثالثا: اتخاذ السعودية زعيمة المعسكر السني العربي، والامارات الحليفة الرئيسية للانقلاب في مصر الى جانب الاولى، مواقف عدائية تجاه حماس باعتبارها جزءا اصيلا من تكوين حركة الاخوان المسلمين، فالسيد خالد مشعل زعيم الحركة لم يتلق اي دعوة لزيارة اي من البلدين، ولا اي دولة عربية اخرى اخيرا، وظلت طائرته لا تغادر الدوحة الا في اتجاه القاهرة فقط، وحتى هذه الاخيرة اغلقت اجواءها في وجهه منذ اطاحة الرئيس مرسي.

رابعا: تصاعد الانباء عن احتمالات استغال اسرائيل للقطيعة والعداء بين مصر وحماس لشن هجوم على قطاع غزة.

خامسا: تحرك الرئيس محمود عباس بسرعة للاستفادة من تغير الاوضاع في مصر وتوثيق علاقاته مع حكومة الانقلاب واستئناف المفاوضات مع اسرائيل برعاية امريكية.

حركة حماس كحركة سياسية الى جانب كونها حركة عقائدية اسلامية، مطالبة بتوفير الاحتياجات الاساسية لاكثر من مليوني انسان تحت حكمها في قطاع غزة، وبات عليها ان تتصرف بواقعية من حيث محاولة فتح قنوات دعم قديمة ماديا وعسكريا، والتعاطي مع التغيرات السياسية البركانية في المنطقة بطريقة ذكية بعيدا عن الاعتبارات العاطفية.

عرب الاعتدال الذين بدأ معسكرهم بعد فشل الثورات العربية في اقامة البديل الديمقراطي في معظم الدول التي انفجرت فيها بفضل المخططات الغربية التي حرفتها عن مسارها، هؤلاء خذلوا حركة حماس مثلما خذلوا القضية الفلسطينية قبلها، ولم يقدموا لها اي دعم مادي او عسكري.. لم يقدموا لها بندقية صيد، وهم الذين يقدمون صواريخ مضادة للدبابات والطائرات واسلحة متطورة جدا للثورة السورية وفصائلها.

السؤال هو: هل التحركات الجديدة لحماس هذه مؤشرات صحوة مؤقتة، ام تغير استراتيجي جذري؟ من المفضل عدم اصدار احكام متسرعة، والتريث ريثما يهدأ غبار هذه الاتصالات، وتظهر الحقائق على الارض واضحة جلية.

(عبد الباري عطوان)



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

وزارة السياحة والآثار وهيئة تنشيط السياحة تنظمان فعالية في دالاس تبرز الإرث المسيحي في الأردن

الجيش الأميركي يشن غارات في منطقة مضيق هرمز

​من المدرج الروماني إلى شباك الأرجنتين

هل تفشل مشاريع الشرق الاوسط الجديد

ترامب يلمح إلى احتمال رد أميركا على هجوم إيراني استهدف سفينة شحن

بوركينا فاسو تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع فرنسا

روبيو: اتفاق إسرائيل ولبنان يرسي آلية لنزع سلاح حزب الله

عون: اتفاق الإطار مع إسرائيل أول الطريق لعودة اللبنانيين إلى أرضهم

«صوتٌ من الظلام يناديني» .. رحلة أدبية في دروب الاستشفاء والتصالح مع الذات

السياحة والآثار تقيم فعالية في تكساس للترويج للحج المسيحي في الأردن

نتنياهو: إسرائيل ستبقى في جنوب لبنان إلى حين نزع سلاح حزب الله

مندوبا عن الملك وولي العهد .. العيسوي يعزي عشيرة الزيادات العبادي

حصيلة الزلزالين في فنزويلا ترتفع الى 920 قتيلا

الولايات المتحدة ترفع عقوبات عن فنزويلا للمساعدة في جهود الإغاثة

ترامب يهدد .. فرض رسوم على أي دولة أوروبية تفرض ضريبة على الخدمات الرقمية

تراجع سوق الدواجن في الأردن يفتح ملف نظام الطيبات والمخاوف الصحية

لفتة للنشامى نالت إعجاب الجماهير العربية والجزائرية .. صورة

الأردن يقترب من إنتاج 500 طن سنوياً من الكعكة الصفراء

تحديد هوية الشاب المتوفي في تدافع مباراة الأردن والجزائر .. صورة

نداء للتعرف على هوية المتوفى بتدافع مباراة النشامى

هبوط بأسعار الذهب محلياً اليوم

موظفة بالسياحة تتهجم على مكتب الوزير .. التفاصيل

وظائف حكومية شاغرة ومدعوون لاستكمال إجراءات التعيين .. تفاصيل

على نفقته الخاصة .. الملك  يوجه دعوة خاصة لسيدة أردنية لزيارة المملكة

نهر إسمنتي غامض في غزة .. ما حقيقة استخدامه في ترميم المنازل

المدرج الروماني يفتح أبوابه للجماهير لمتابعة مباراة النشامى والجزائر

تنفيذ الإعدام تباعاً بحق محكومين في السجون الأردنية

فرصة للمقبلين على الزواج .. هبوط أسعار الذهب محلياً اليوم

وفاة 40 شخصا غرقا في فرنسا خلال موجة الحر

عروض على الأرز والسكر والمواد الأساسية بالاستهلاكية المدنية