سقف المطالب المشروعة والثوابت الوطنية الفلسطينية

mainThumb

19-04-2014 05:56 PM

كلمات معسولة نسمعها يوميا وترددها مرارا وتكرارا المحطات الفضائية الإخبارية والصحف اليومية. وقد يتبادر للذهن عند النظر للمفاوض الفلسطيني؛ الذي لا زال مصرا على التفاوض، أنه يصارع من أجل الحفاظ على الثوابت الفلسطينية وأنه يحرص كل الحرص على رفع سقف المطالب بما يتناغم مع متطلبات ورغبات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.

ولكن كل المؤشرات التي نضحت خلال السنوات الماضية أثبتت بدون شك أن الثوابت الفلسطينية التي يتشدقون بها قد انهارت وأن سقف مطالبهم قد سقط وذلك بعد أن أضاعوا من أيديهم الورقة الرابحة الوحيدة والأكيدة ألا وهي المقاومة المسلحة وغير المسلحة.

فثوابتنا واضحة وهي الأرض مقابل السلام المزعوم،ووقف الاستيطان،وعودة اللاجئين، والقدس عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة، والعودة لحدود عام 1967 وإطلاق سراح الأسرى المعتقلين لدى الكيان الصهيوني. أما أن يخرجوا علينا بمصطلحات مثل كيان قابل للحياة والسماح بعودة اللاجئين فقط لمن ولد في فلسطين المحتلة قبل العام 1948 فهي قمة المهانة فأعداد من بقي منهم أحياء قليلة والأدهي أن إسرائيل تقترح أن يعودوا على دفعات تمتد لعشر سنوات والقائمة تطول من الشروط الإسرائلية التي لن تنتهي وآخرها المطالبة بيهودية الدولة. ولا يسعني إلا أن أنعش الذاكرةبمقولة الشاعر الفلسطيني غسان كنفاني والتي اشتهرت كثيرا، وقال فيها:

"يسرقون رغيفك .. ثم يعطونك منه كِسرة..

ثم يأمرونك أن تشكرهم على كرمهم..

يالوقاحتهم"

وُئِدت المقاومة التي طالما تغنى بها العرب وميزت الشعب الفلسطيني الذي قدم الملاحم والبطولات في أروع صورها، وحوصرت غزة ولا تزال، وحورب كل من يعارض المسار التفاوضي أو تم زجه بالسجون والمعتقلات الفلسطينية التي وللعجب لم تتسع إلا للمقاومين الفلسطينيين.. وهذا والله لهو قمة التناقض في مفهوم الكفاح والنضال المشروع من أجل استرداد جزء من كرامتنا وأرضنا السليبة منذ عقود. فتم توجيه الأمن الوقائي بسلاحه وجنوده نحو صدور الفلسطينيين وبتعاون تام ومطلق وبنوع من الخنوع وليس الندّية مع العدو الصهيوني في واحدة من أكثر العلامات بروزا على انعدام الثوابت الفلسطينية.

تلقت السلطة الفلسطينية الصفعة تلو الأخرى ولم تفق من غفلتها وفقدان وعيها وآخر تلك الصفعات التي توحي بالإهانة والمرارة؛ اختيار تسيفي ليفني لتكون رئيسا للوفد الإسرائيلي المفاوض وهي المعروفة بانتمائها لجهاز الموساد وتدرجت في وظيفتها عبر كل الوسائل ومنها الجنس إلى أن وصلت لمنصب وزير الخارجية، وهي التي كانت وراء الحرب الجهنمية التي فتحت أبوابها ونيرانها على قطاع غزة فيالعام 2008. هذه المرأة التي تلوثت يداها بالدم الفلسطيني وشربت منه حتى ثملت تقف الآن وبكل صفاقة وغرور لتملي على المفاوض الفلسطيني شروط الإذلال وإملاءات الإجحاف ما بين الطرف القوي والطرف الضعيف فاقد الحول والقوة.

والأدهى أن المفاوض الفلسطيني لا زال يفاوض وهو يعلم أنه لن يحصل على أيٍّ من مطالبه فها هو سقف المطالب قد هوى على رؤسنا جميعا وها هي الثوابت أو الركائز (سمّها ما شئت) قد تحطمت ولم يبق ما يتم التفاوض عليه.

لم أكن أبدا محللا سياسيا ولا خبيرا فقيها بدهاليز السياسة ولكن ما أفهمه وأدركه حالي حال كل مواطن عربي أن بقاء المفاوض الفلسطيني على طاولة المفاوضات لهو أشبه بلعبة الشرطي والحرامي ولكن بشكل عكسي فأصبح اللص هو حامل لواء الديمقراطية في محيط من الديكتاتوريات العربية وأمسى الشرطي لصا سرق الأرض من اليهود وها هو يعيدها رغما عنه لأهلها!..

قُلبت الموازين وضاعت الثوابت وأصبحنا بلا سقف يحمينا من تقلبات الجو، وتفرد بنا بني صهيون ومن خلفهم الأم الحنون أمريكا، والشعب الفلسطيني هو من يدفع الثمن في الضفة الغربية والقطاع ناهيك عن معاناة عرب 48 والذين قد نسيهم المفاوض الفلسطينيوالإعلام العربي تماما.
بدأ الشعب الفلسطيني بالتململ من عقود التفاوض العبثية وها هو يئن تحت ضربات الأزمات الاقتصاديةالمتتاليةوقلة المياه وانعدام الأمان وضياع الأرض واعتداءات قطعان المستوطنين الوحشية وبحماية حكومية إسرائيلية. ولكن للصبر حدود بعدها يكون الصمت خوفا وجبنا وركونا للدعة والاستسلام. قام الشعب الفلسطيني طوال فترة وجوده على أرضه بالدفاع عنها بروحه ودمه ودم أولاده وخاض الحروب وأطلق الانتفاضة تلو الأخرى دفاعا عن ثوابته في الاستقلال والحرية والكرامة ولذلك فهو لن يبقى صامتا أبدا، وها هي البوادر قد بدأتتلوح بالأفق وقد أعذر من أنذر فلقد صمت الشعب طويلا وسيعلنها ثورة هادرة قريبا جدا.

أدعو القيادة الفلسطينية من خلال هذا المنبر الصحفي مرة ثانية؛ وبصوت مدوٍ، أن تُجري استفتاء على حل السلطة الفلسطينية وليقرر الشعب ما هو الأنسب أما الانزلاق نهو الهاوية حيث لا مجال للتراجع فستكون رصاصة الرحمة النهائية التي ستطلقها إسرائيل على آمال وطموحات وثوابت الشعب الفلسطيني.

وان كان لا بد من الختام فأقول تُعسا لكل من يتنازل عن ثوابتنا الوطنية، وسُحقا لكل من خفّض سقف مطالبنا من أجل سلام مزعوم لن نجني من ورائه سوى المزيد من الانبطاح والجري وراء سراب الحرية وأوهام الدولة الفلسطينية المستقلة.