وماذا بعد أن وضعت الحرب أوزارها؟

mainThumb

12-08-2014 09:34 AM

صمتت المدافع وانقطع أزيز الرصاص وتوقف دبيب الدبابات المجنزرة وانقشع غبار الحرب عن أهوال ومصائب ألمت بأهل غزة المرابطين على أرضهم؛ هذا في جانب، ومن جانب آخر فشلت إسرائيل فشلا ذريعا وها هو نتنياهو قد بدأ يتعرض لسهام النقد اللاذعة لإذعانه ورضوخه التام للمقاومة الباسلة التي لم يسبق أن واجه مثلها أو حتى أن يتوقعها.


توقفت الحرب على قطاع غزة مؤقتا؛ كالعادة في هذه البؤرة الأكثر توترا على سطح الأرض منذ عقود مضت، وبدأ أهل غزة يلملون أشلاء شهدائهم ويبحثون عن بقايا أغراضهم وممتلكاتهم بين المباني المدمرة تدميرا كاملا، ومضوا يتفقدون أهليهم وجيرانهم في المستشفيات ومراكز الإيواء الغير آمنة علّهم يجدوا من تقر عيونهم برؤيته.


وكما في كل حرب لا بد من جرد حساب للأرباح والخسائر لكل طرف من طرفي النزاع ورسم خطة مستقبلية للتعامل مع الطرف الآخر من أجل تسوية ولو مؤقتة لتمضي عجلة الحياة في دورانها ويمضي كلٌ في حال سبيله يعيد بناء ما خلفته الحرب من آثار سلبية على الإنسان والحجر.


وقد يتبادر للذهن أولا من هو المنتصر في هذه المعركة ومن هو الخاسر وإذا أردنا أن نُعرّف المنتصر فهو أن يخرج أحد الطرفين بنتائج لم تكن متوفرة له قبل الحرب وأن يفرض على الطرف الآخر شروطه وإملاءاته من أجل ديمومة الهدنة بينهما. والحق يقال وبالاستعانة بكل الشواهد على الأرض أستطيع أن أقول أن حركة المقاومة الإسلامية وكافة فصائل المقاومة الأخرى وشعب غزة الأبطال قد حققوا النصر المبين بمشيئة الله. ولا يفوتني أن أؤكد بأن الخسائر البشرية ليست دليلا على النصر أو مؤشرا له، فالقارئ الجيد للتاريخ يستطيع أن يسترجع حرب التحرير الجزائرية المجيدة ضد الاستعمار الفرنسي وكم قدم فيها الجزائريون من تضحيات مقابل الخسائر المحدودة في الجيش الفرنسي، وما نتج عن ذلك من خروج مُخزٍ وهزيمة منكرة مجلجلة للفرنسيين من أرضٍ اعتبروها جزءا من أرضهم لعقود. ولا بد لنا أن نتذكر أيضا الهزيمة المنكرة لأمريكا في فيتنام بالرغم مما أوقعوه في الفيتناميين من ضحايا وجربوا عليهم كل أصناف الأسلحة الغير تقليدية. إسرائيل على الجانب الآخر خسرت المعركة لأنها أرادت أن تقتلع المقاومة من أرض غزة فلم تستطع، وأرادت أن تنزع سلاح المقاومة ففشلت، وأرادت أن تُعلّم الفلسطينيين درسا في الخنوع فأعطوها درسا في العزة والكرامة. أرادت إسرائيل كل ذلك وأكثر ولم تتمكن من تحصيل أيٍ من أهدافها سوى تدمير المباني والمستشفيات والمساجد والمدارس.


وعلى الصعيد الدبلوماسي بدأت إسرائيل أولى الخطوات نحو الفشل والهزيمة الدبلوماسية بعد أن ضربت وللمرة الثانية مدرسة تابعة للأنروا والتي كانت مقرا لإيواء النازحين من العائلات، فقتلت ما يزيد عن عشرة أطفال فتلقوا لأول مرة نقدا شديدا ولاذعا من أمين عام الأمم المتحدة والإدارة الأمريكية وما سيتبع ذلك لاحقا من مطاردة لمرتكبي هذه المجازر ومحاكمتهم كمجرمي حرب.كما قامت مجموعة من دول أمريكا اللاتينية بقطع العلاقات مع إسرائيل وطرد السفير منها، وبدأت كلٌ من بريطانيا وأسبانيا إعادة النظر في سياسة تزويد إسرائيل بالسلاح وغير ذلك الكثير من المؤشرات على الفشل الإسرائيلي الدبلوماسي والسياسي.


على الجانب الفلسطيني فالتضحيات الجسيمة في الأرواح والتي بلغت ما يزيد عن 1878 شهيدا وما يقارب 10000 من الجرحى، والتدمير الكلي لمعظم مناحي الحياة المدنية في غزة والبنية التحتية سيكون عبئا تنوء بحمله الجبال وبخاصة مع استمرار غلق المعابر وحصارهم في أكثر البقع السكانية كثافة على سطح الأرض، ولا شك أن ذلك سيزيد من معاناة الغزيين والقائمين على أحوالهم في إعادة الإعمار. ومن ناحية أخرى سوف لن يحصل الفلسطينيون على المساعدات المتوقعة من الدول العربية كما حدث عقب حرب 2008/2009 فالوضع العربي بعد ربيعه أمسى خريفا، وانشغل كلٌ بهمومه وتأمين جبهته الداخلية، ووقفت العديد من الدول علانية أو سرا مع إسرائيل والكثير منهم حمّل الضحية المسئولية وتبعا لذلك قد يقومون بتقديم المساعدات المحدودة التي لا تسمن ولا تغني من جوع وذلك فقط لذرّ الرماد في العيون.


ولذلك وجب على السلطة الفلسطينية وحركات المقاومة الفلسطينية إعادة حساباتهم بالدعم العربي المستقبلي والذي سيكون معدوما تماما وعدم الركون إليه واللجوء للمجتمع الدولي في منظماته ومقارعة الحجة بالحجة في كل محفل دولي، وتقديم طلب الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية دونما تأخير من أجل محاكمة نتنياهو وأركان حربه على ما ارتكبوه في أهل غزة من جرائم ومجازر. فالكثيرون من العالم الغربي لا يحبون إسرائيل ويتمنون الفرصة السانحة لمحاكمتهم على أفعالهم الشنيعة ولكن بتخاذل السلطة الفلسطينية سوف لن يكون ذلك ممكنا.


ولكن السؤال الأهم هل ستعود إسرائيل لفعلتها مرة أخرى كما يحصل عادة وهل سيستطيع الغزيون المقاومة والصمود البطولي كما حدث هذا العام؟ أسئلة نعرف الإجابة عنها مسبقا ذلك أن إسرائيل لن تغير من سلوكها العدواني إلا بعد أن تنزع سلاح المقاومة وتحول الشعب الفلسطيني إلى قطيع من الأغنام المسالمة تهش عليها وتنش متى أرادت. ولذلك كان لا بد أن تتوحد كلمة ومواقف الساسة الفلسطينيون وعدم إعطاء الفرصة لإسرائيل أو الدول التي تسعى لتحقيق طموحاتها من خلال تحطيم المقاومة الفلسطينية، وقد برزت أخيرا هذه السياسة فيما يُعرف بسياسة المحاور التي اختلط فيها الحابل بالنابل وسمعنا فيها الكثير من الديباجات المنمقة والتصريحات الدبلوماسية المتناقضة، وتصارعت الدول العربية فيما بينها ودفع الفلسطينيون ومن قبلهم العراقيون والليبيون وآخرهم السوريون الأثمان الباهظة لمهاترات الآخرين السياسية واللا أخلاقية.