من مقدمة «القارة المفترسة»

mainThumb

08-01-2016 04:35 PM

«تخيل عالمًا لا مؤسسات فيه. عالم زالت فيه الحدود بين البلدان، تاركة معابر تبحث فيها الناس عن جماعات لم يعد لها وجود. عالم لم تعد فيه حكومات على صعيد محلي أو وطني. لا مدارس ولا جامعات. لا مكتبات ولا دور وثائقية. لا مسارح ولا دور سينما ولا تلفزيون. المذياع يعمل أحيانًا، لكنه يحمل غالبًا إذاعة ضعيفة بلغة أجنبية. لم يرَ أحد صحيفة منذ أسابيع. لا قطارات ولا عربات ولا برقيات ولا دائرة بريد. لا تواصل إطلاقًا إلا من الفم إلى الأذن.

 

لا بنوك، ولكن هذه ليست مشكلة كبرى، لأنه لم تعد للعملة قيمة. لا مخازن لأن لا سلع للبيع. لا شيء يُصنع هنا، لأن المصانع والمتاجر التي كانت قائمة قد هُدِّمت أو فُكِّكت مثل معظم المباني الأخرى. ولا أدوات إلا ما يمكن رفعه من بين الركام. لا طعام.
 
القانون والأمن لا وجود لهما، لأنه ليست هناك قوة شرطة. ولا هناك قضاء. وفي بعض الأماكن اختفت معاني الصح والخطأ. الناس تمد أيديها إلى ما تطاله من دون أي اعتبار للملكية. البضائع ملك القوي الذي يستطيع التمسك بها، أو الذي يدافع عنها بحياته. لا عيب ولا حياء. هناك فقط البقاء».
 
نقلت هذه السطور من كتاب «القارة المتوحشة» للمؤلف كيث لو، عن أوروبا مع نهايات الحرب العالمية الثانية. نقلتها، لأن هذا ما حدث لنا في لبنان، وهذه هي الصور التي تنتقل إلينا الآن من بعض سوريا وبعض العراق وبعض ليبيا. نقلتها، لأنه ليست للحروب صورة أخرى في أي مكان.
 
في الحروب ليست هناك فئات راقية وفئات غير راقية. هناك قتل وموت ودمار، أو هناك هرب. أوروبا الراقية التي نعرفها اليوم تحوّلت إلى ركام، والجوع حوَّل نساءها إلى لا كرامات، والجار لم يعد قادرًا على مساعدة جاره، والمستشفيات دُمِّرت على رؤوس المرضى والأطباء، والأطفال أصبحوا بلا أسرة وبلا سقوف وبلا طعام وبلا مدارس. والأمهات أيضًا.
 
الحرب ليست عنوانًا في نشرة الأخبار، وليست لقاء بين كيري ولافروف في فخامات الكرملين وجدران المخمل المذهب. ترتعد أوروبا أمام مشاهد اللاجئين، لأنها تتذكر نفسها. تتذكر يوم كانت تحرق الموتى، لأن لا وقت ولا طاقة على دفنهم. يوم تحوّلت أعمدة برلين وساحاتها وحدائقها وأنهارها إلى مقابر جماعية، وأنين لا يسمعه أحدٌ ولا يعني أحدًا.
 
الشرق الأوسط