في القضية النوارسية

mainThumb

26-01-2017 12:01 PM

 شعب القضايا الأول، في العالم وفي التاريخ. تذكر منذ متى تُثار "قضية" قانون الانتخاب؟ كم مرة أثيرت "قضية" الكهرباء؟ "قضية" الرواتب؟ "قضية" السير؟ "قضية" الرمال البحرية؟ "قضية" الزبالة؟ دولة القضايا التي لا حلول لها ولا حول. والآن، قضية النوارس وخطرها على مدرَّجات المطار، وفيها جانب شخصي أرجو أن يتسع وقتكم له. فقد أوصاني الرئيس أمين الحافظ، ضوع الأصدقاء، بالدفاع عن حقوق النوارس، كلما اقتضى الأمر، وحيث كان ذلك ممكناً، في الوطن وفي بلاد الدنيا عموم.

وفي التفاصيل، أنني كنت اكتب مرة عن جنوب فرنسا وأنا، على ما يبدو، في مزاج كئيب. وقد شعرت بضيق من صوت جيراني النوارس، الأقرب إلى النواح. كل النهار تنوح وتزعق. إذا جاعت ناحت. وإذا صادت ناحت. وعندما تحلق تعلن ذلك نواحاً. وعندما تلاعب الهواء باجنحتها الطويلة ثم تنزلق بمهارة فوق سطح المياه، تزعق. وأنا أريد لها أن تشبع وأن تفرح وأن تلعب لعبة التزلج على سطوح المتوسط، لكنني أريد أيضاً أن أكتب، وأن اسلم مقالتي بعد قليل. وكلما هممت بسطر جديد، فاجأني سرب نوارس عائداً من اليابسة إلى البحر، فالشاً أطول أجنحة الطيور، صائحاً مثل ارخميدس: وجدتها. وجدتها. سمكة لقز.
 
فكرت مرة أن الحل في كتابة زاويتي في "الشرق الأوسط" عن النوارس، بدل أن انتظر ترفّقها بي وباعصابي. ولم احسب اطلاقاً أن للنوارس محبين ومعجبين بين اصدقائي في العالم العربي. ويا لهول ما حدث. عدتُ إلى بيروت، واول ما فعلت كان غداء الخميس مع الرئيس أمين الحافظ في "السيتي كافيه". وذلك الموعد كان من أحب ما بقي من لبنان الأمس.
 
بعد انتهاء الغداء والاستعداد للانصراف، طرح علي الدكتور امين سؤالاً غريباً: "إلى اين ذاهب من هنا". قلت إلى المنزل. قال: "حالاً أم باقٍ قليلاً"؟ قلت: "سأبقى قليلاً". قال: "حسناً إلى الخميس". وذهبَ لكنه عاد بعد دقائق حاملاً قفصاً كبيراً فيه طائران، ووضع القفص على الطاولة بقوة قائلاً: "عسى أن يعوضاك ازعاجات النورس". ومضى.
 
بعد قليل جاء الصيف، والتقينا، أمين الحافظ وليلى عسيران، كالعادة. وكان من دورنا ومن حظنا أن نوجه اليهما الدعوة اولاً، عارفين الأماكن المحببة إلى النبيلين. وعلى غير عادته في اعلان مكان دعوته، قال: "نحن نمر عليكما مساء الجمعة وتأتيان معنا". وخرجنا من "كان" في اتجاه قرية جميلة ضيقة الطرق، ثم دخلنا الى مطعم على البحر. وتبعنا الصديقين من غير ان نلتفت إلى اسم المطعم.
 
جلسنا إلى المياه. وأخذت موجات هادئة تضرب الجدران. وفوق كل موجة نورس يرفرف ويبدو كأنه يتطلع بي مباشرة دون سواي، ثم يدير لي ظهره مرفرفاً من جديد. وقال أمين وكأنه يغني: "اللهم لا شماتة. ولكن هل انتبهت إلى اسم المطعم؟ النوارس".
اعتقدت ان الدروس في النوارس انتهت في مطعم Les Mouettes. لا. بعد نحو شهرين، سافرت إلى الكويت. وبرنامج الأصدقاء القدامى في الكويت لا سعة له ولا نهاية. وهذه المرة أراد محمد الشارخ أن يكون العشاء في منزله الجديد على البحر بعيداً من "العشاءات المزدحمة". "فقط أنت، وأنا، والأولاد". قمنا أولاً بجولة في المنزل، وخصوصاً بين لوحات جورج البهجوري الجميلة الألوان.
 
قبل أن نجلس إلى العشاء، قال الشارخ: "تسمح لنا بمفاجأة؟ ضيف واحد بس، يريد رؤيتك لغرض هام". قبل أن اسأل من الضيف، وما هو الغرض، دخل الحديقة الشاطئية الجميلة الاستاذ عبد الرحمن سالم العتيقي، مستشار الشيخ جابر الأحمد ووزير المال والنفط في حكوماته. لم تكن تلك مفاجأة لي، بل تكريماً لم أحصل عليه في الكويت من قبل.
 
عندما جلسنا ثلاثتنا إلى العشاء، أدركت ان الشارخ تعمّد أن نكون وحدنا. ولكن ماذا ترى يريد رجل مثل عبد الرحمن سالم العتيقي من شخص مثلي؟ ولماذا يكبد نفسه المجيء الى اطراف الكويت في "الفنطاس" بدل دعوتي الى مكتبه في الديوان الأميري؟
السبب الوحيد الذي خطر لي أن الأمير، الشيخ جابر الأحمد، يكلف أحياناً رفاقه أن يلخصوا له كتاباً ما. ولعل الوزير العتيقي يريدني أن ابحث له عن كتاب معين في لندن. لكن الراحل العزيز أراد أن يختصر التساؤلات، فقال ما نصه تقريباً: "اسمع يا أبا فلان. أنا في هذه السن لم اعد اخرج من البيت في الليل، وخصوصاً إلى العشاءات... لكنني منذ فترة قلت للشارخ، أرجوك، عندما يأتي صاحبك إلى الكويت، دعني أعرف. وعندما قال لي إنك هنا ويريد اقامة عشاء لك، قلت له، "بلاش العشاء الموسّع، فإن لي حساباً مع الرجل، ولا أريد "شوشرة" حول الموضوع في ديوانيات الكويت".
 
واخذ قلبي يخفق. ما هي هذه القضية التي يريد أقرب مستشاري الأمير اثارتها معي؟ قبل أعوام قليلة، ذهب الشيخ جابر في "زيارة دولة" إلى بريطانيا، وأقام، وفق التقاليد، في قصر "باكنغهام". وذهبنا للسلام عليه فوجدناه جالساً ومعه العتيقي فقط. وعندما جلسنا قال العتيقي إنه كان يبحث مع الأمير في احد الكتب التي انتهى من تلخيصها له، وأراد أن يعرف مني ظروف التأليف.
 
لكن ها هو العم أبو انور يكمل: "يا صاحبي، أنا حريص على صداقتك وعلى قراءتك. ولا أريد بعد الآن مواضيع غير سارة في مقالاتك. هل لك ان تكف عن مهاجمة النوارس"؟ وقف محمد الشارخ شاهداً على التعهد. لكن أبو انور أراد أن يشرح الموقف أكثر: "يا عزيزنا، نحن شعب يعيش على البحر. أهل مراكب وغوص وتجارة. وكانت النوارس ترافقنا في الذهاب والإياب... تبشرنا بقرب اليابسة. وحضرتك يضايقك صوتها. ترى يا معوَّد صوتها خير".
 
اليوم الذي قرر عبد الرحمن سالم العتيقي أن يأتي هو لرؤيتي بدل أن اذهب انا للسلام على تاريخه ووقاره، قررت أن انتصر لقضايا النوارس في كل مكان، بحراً أو جواً. والمصريون، خلافاً للعرب الآخرين، يسمون المطار "الميناء الجوي". لذلك، ليس غريباً أن تكثر النوارس حيث يكون المطار قريباً من البحر، وتنطبق عليه صفة الميناء. وهذه فذلكة خاصة بالمصريين. وهو تعبير كان محبباً لدى أحمد امين، صاحب "فجر الاسلام"، كما كان محبباً عند الرئيس فؤاد السنيورة، الذي لم يكن يعرض على مواطنيه "مجمل" الموازنة، بل فذلكتها.
 
هل نوارس المطار "قضية" حقاً؟ مَن منا يمكن ان يعرف؟ من منا يستطيع أن يؤكد أن ما يسمعه صحيح؟ من يستطيع أن يؤكد ان القائل يعني حقاً ما يقول، وليس عكسه؟ لم يرَ بودلير في النورس اكثر من طائر كسول يحوم في السماوات الزرق كي يسلي البحارة ويلتهم شيئاً من السمك والفتات.
 
غريب. أسافر، مع الملايين، من مطارات "بحرية" كثيرة، من غير ان نقرأ مرة أنها مهددة بالنوارس المرئية من الجميع. ثم منذ متى كانت الطيور مشكلة في لبنان، مقيمة أم مهاجرة، فقد قضت عليها "الكلاشات" وارغمتها على تغيير خطوط سفرها السنوية التي تعودتها من آلاف السنين. قال لي سينمائي مصري مرة إن طيور النورس في ميناء الاسكندرية اعتادت أن تميز بين ركاب السفن "البخيلة" وركاب البواخر "الكريمة"، فلا تقرب الأولى ولا ترافقها في الابحار أو في الرسو، بينما تتدافع على السفن الأخرى. قلت له إننا في لبنان حللنا المشكلة من جميع اطرافها، سفناً وبوارج. أبدنا النوارس وسلمنا لها على بودلير.
 
*نقلاً عن "النهار"