الذرى المشينة في العلاقات الموريتانية ـ الإسرائيلية

الذرى المشينة في العلاقات الموريتانية ـ الإسرائيلية

22-02-2026 07:41 AM

لعلّ واحدة من الذرى، المشينة، في العلاقات الموريتانية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي (أي الرسمية المعلَنة، إذْ ما خفي يظلّ أعظم)؛ كانت تعمّد السفير الإسرائيلي في نواكشوط إحياء ذكرى «استقلال» الكيان الصهيوني في اليوم ذاته الذي يصادف النكبة، وتمثلت الشائنة في حضور مسؤولين موريتانيين، والاحتفاء بالمناسبة الأولى مع تجاهل صارخ للثانية.
تلك واقعة أُضيفت إلى سواها في سجلّ حافل بالتقلبات، صعوداً وهبوطاً كما يتوجب القول. فمنذ العام 1995 شاء الرئيس الموريتاني معاوية ولد أحمد الطائع مباركة اللقاء بين وزير خارجيته مع شمعون بيريز، ثمّ لاحقاً مع يوسي بيلين، فتوّجت تلك اللقاءات بافتتاح مكتبَيْ رعاية المصالح في تل أبيب ونواكشوط.
ذروة ثانية مشينة سوف يتولى بلوغَها وزيرُ الخارجية الموريتاني شيخ العافية ولد محمد خونة، الذي هرع في سنة 1998 إلى دولة الاحتلال كي… يهنئ بنيامين نتنياهو بانتخابه رئيساً للحكومة الإسرائيلية! مكافأة هذا المبادر المتحمس لن تتأخر، إذْ سوف يكلفه الطائع برئاسة الحكومة، للمرة الثانية، ولسوف يمكث في المنصب خمس سنوات. وبذلك باتت موريتانيا ثالث دولة عربية، بعد مصر والأردن، تعترف رسمياً بالكيان الصهيوني كدولة ذات سيادة.
هذه معطيات موسوعية بالطبع، لا تبدلها من حيث الجوهر خطوة هنا أو أخرى هناك، دبلوماسية غالباً، وعلى سبيل مجاراة معظم الأنظمة العربية في الاحتجاج اللفظي على جرائم الحرب التي واصلت دولة الاحتلال ارتكابها، مراراً وتكراراً؛ أو، في سياقات أخرى، تنفيذ قرارات عجفاء لا قيمة لها اعتادت جامعة الدول العربية اتخاذها، في إطار الكلام والجعجعة (ذهبت نواكشوط، في سنة 1967، إلى درجة إعلان الحرب على دولة الاحتلال! ثمّ جمدت العلاقات وقطعتها على خلفية عدوان 2008 ضدّ القطاع).
معطيات موسوعية أخرى، وإن كانت أقلّ تظهيراً وأكثر تمويهاً، تتصل بالتعاون الأمني والاستخباراتي بين الاحتلال ومنظومات الحكم في موريتانيا، من الجانب الإسرائيلي غني عن القول؛ إذْ تشير التقديرات إلى تدفق عشرات الخبراء الأمنيين الإسرائيليين إلى موريتانيا، لتدريب الكوادر المحلية تارة، ولأداء المهامّ الاستخباراتية ذات الحاجة الحيوية، والمنفعة المباشرة لدولة الاحتلال في الشمال المغاربي خصوصاً، وفي القارة الأفريقية عموماً. ذروة ثالثة، مشينة بدورها ومدعاة أخطار بيئية جسيمة، كانت موافقة نواكشوط السرية على دفن نفايات نووية إسرائيلية في الصحراء الموريتانية، مقابل ثمن مالي بخس. وفي إطار هذا الطراز الخاصّ من التعاون، استخدم الجيش الإسرائيلي الصحراء الموريتانية لتجريب أجيال جديدة من الصواريخ بعيدة المدى.
العلاقات الموريتانية التطبيعية مع الاحتلال ظلت، في مجملها، تترسخ أو تنحسر على نقيض الإرادة الصريحة للسواد الأعظم من أبناء موريتانيا، وهذا المزاج لم يكن بعيداً عن خلفيات الانقلاب العسكري الذي أطاح برئاسة الطائع سنة 2005، الأمر الذي يفسر «حياء» أجهزة الرئيس الحالي محمد ولد الغزواني، حيال التقارير التي تحدثت عن لقائه مع نتنياهو في واشنطن، تموز (يوليو) الماضي على هامش القمة الأمريكية ـ الأفريقية.
إلى هذا فإنّ دوافع السلطات الموريتانية الأخرى، في الاندفاع إلى التطبيع مع دولة الاحتلال، ليست قليلة بصدد أوضاع البلد الداخلية، ومعادلات التطرّف الديني والتيارات الجهادية ومخاطر موجات اللجوء والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية البنيوية؛ أو لأنّ موريتانيا في موقع القطعة المكمّلة للوحة جيو ـ سياسية أمريكية وإسرائيلية وأوروبية، تترسّم فيها إشكاليات منطقة الساحل عموماً؛ أو، ثالثاً وليس آخراً، عقابيل الاصطفافات الموريتانية المستحدثة، سواء بين المغرب والجزائر حول الصحراء الغربية، أو خدمة التحالفات الإقليمية الساعية إلى مواجهة المدّ الروسي والصيني والإيراني المشترك.
ويبقى أنّ الفارق جوهري بين عناصر ضغط موضوعية خانقة تُدني التطبيع، وبين لهاث للالتحاق بقاطرات اتفاقيات إبراهام مقايل أثمان زهيدة و… ذرى مشينة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد