فن الحرب مع الأبقار التي تطير
السؤال الأبدي العبثي «لماذا يحدث هذا بتلك الطريقة؟» والإجابة دائمًا تتضمن صراعاً بين نظريتين لا ثالث لهما، ألا وهما الرَّد من خلال الإجابات المنطقية أو من خلال الإجابات الميتافيزيقية المعهودة. بيد أنَّ المفاجأة الكبرى أن كلتا الإجابتين لا تنالان الاستحسان، وهناك من ينبري لتفنيدهما مهما حاول الطرف المُجيب أن يسترضي السَّائل. وفي إطار هذا الصراع بين الميتافيزيقا وعلم المنطق تشكَّلت الحضارات، وكَتَب التَّاريخ لحظات صعود الأمم وسقوطها، على مرّ العصور.
وغالبًا ما يميل المفكِّر الذي يبتغي التقدُّم والازدهار أن يستند إلى المنطق لتفسير الظواهر التي تحيط به، أي أنه يستند إلى تفسير كل شيء من خلال العلم الذي يقوم على السبب والنتيجة، وعبر ذلك تطرأ العديد من الأحداث التي تتعدد فيها المسببات لأي أحداث كبرى أو جوهرية.
وظهر علم المنطق في إطاره المنهجي والجوهري، على يد الفيلسوف اليوناني أرسطو (384-322 ق.م) في القرن الرَّابع قبل الميلاد. ويعد أرسطو أوَّل فيلسوف مفكِّر يؤسس هذا العلم ويدوِّن قواعده ونظمه، التي أصبحت فيما بعد القواعد الأساسية التي يستند إليها المنطق؛ وتلك القواعد هي: القياس، والتصورات، والتصديقات.
وتجدر الإشارة إلى أنه مع ازدهار حركة الترجمة إبَّان العصر العبَّاسي، بداية من أواخر القرن الثامن إلى القرن العاشر الميلادي، ظهرت طائفة من الفلاسفة المفكِّرين الذين وجدوا في علم المنطق سبيلًا لوضع منهاج علمي لأسئلة كانت، ولا تزال، تسبب الحيرة لجميع طوائف البشر. ويذكر التَّاريخ أنَّ الكندي (805-873م) كان أول من لخص كتاب أرسطو في علم المنطق، إلى أن جاء الفارابي (873-950م) واجتهد في تطويره. وازدهر استخدام علم المنطق على أسس منهاجية تطبيقية في الكتابات الفلسفية للفيلسوف والعالم الموسوعي المرجعي ابن سينا، الذي ولد تقريبًا عام 980م، وتم إعدامه بتهمة الزندقة عام 1037م. وشهرة ابن سينا تستند إلى كونه حجة علمية وحجر الزاوية في تقدُّم وتطوُّر الطب والفلسفة والرياضيات. ومن خلال القِلَّة القليلة من مؤلَّفاته التي نجت من الإبادة المتعمدة، اشتهر ابن سينا في الغرب، بل أصبح كتابه «القانون في الطب» من أهم المراجع الطبِّية في العالم الإسلامي وأوروبا حتى القرن الثَّامن عشر.
وكان الانتقاد الدائم الموجه لعلم المنطق هو أنه قياسًا يحتمل الخطأ والصواب، ويفتقر إلى الأحكام المُطْلَقة، في حين أن الفلسفة -على النقيض- تستند إلى التفعيل والربط فيما بين العلوم المختلفة، سواء النظرية الأدبية أو العلمية البحتة؛ كالطب والرياضيات والفيزياء والكيمياء. ولهذا، كان يتم استهداف المناطقة، أي الفلاسفة المنطقيين، على أساس أن تأويلاتهم تحتمل الخطأ، بالإضافة إلى كونها تحتمل الصواب. وتمتَّع علم المنطق بحقبة من الازدهار الحقيقي من خلال الفيلسوف الأندلسي ابن رشد (1126-1198م)، ذاك الفقيه العالم الفيلسوف الذي مارس الطب وتولّى القضاء في قرطبة؛ بسبب ذكائه الفذّ ودراسته الواسعة للفقه وأصول الدِّين والطب والرياضيات والفلك والفلسفة. وكان ابن رشد أحد أبرز المناطقة في العالم بأسره، وهو العالم الفيلسوف الذي على أساس منهاجه الفكري الفلسفي تأسست المدرسة «الرُّشداوية» في العالم الغربي؛ لشدَّة إعجاب الغرب بأسلوبه في التفكير، على الرغم من أن الغالبية العظمى من مؤلَّفاته تم حرقها ولم ينج منها إلَّا أقل القليل؛ والسبب هو اتهامه بالزندقة. ولهذا، قام السُّلطان المنصور يعقوب باعتقاله في منزله.
وبالنظر إلى الحرب الدائرة بين المنطق والميتافيزيقا، نجد أن العلم وحركات التقدُّم والازدهار في الماضي نالها الضرر بصورة كبيرة، وكانت الطريق السريع المفضي إلى سقوط الحضارة الإسلامية بعد أن بلغت أوجها في العصر العبَّاسي، وهذا بعد ما تسلَّط فكر المتشددين على صوت العقل والعلم، وتم اتهام كل من يحاول الخروج عن ذاك الإطار الفكري المتشدد بالزندقة، وبالتالي مجابهة أسوأ مصير.
وما حدث في الحضارة الإسلامية إبَّان فترات الضعف في العصر العبَّاسي كان أشبه بتجربة «الفئران الغارقة»، أو ما يسمى بـ «تجربة الأمل» التي أجراها عالم البيولوجيا الأمريكي د. كيرت ريكتر Kurt Richter (1894-1988) على مجموعة من الفئران في خمسينيات القرن الماضي. وقوام تجربته هي وضع الفئران في خزَّان مياه ومتابعة قدرتها على النجاة. ووفقًا لمشاهداته، وجد أنه حين ترك الفئران لفترة في الماء فإنها تستسلم للغرق بسهولة. وعلى النقيض، فإنه عمل على إخراجها من الماء وتجفيفها كل فينة وأخرى؛ فكانت تصمد لفترات أطول قد تصل لساعات قبل أن تستسلم للغرق، واستنتج من هذا أن منح الفئران بصيصاً من أمل يجعلها تعتقد أنها ستجد من ينقذها في لحظة ما، جعلها تقاوم وتجتهد. وهذا ما حدث تمامًا للحضارة الإسلامية في نهاية عصرها؛ حيث كانت لا تزال بيئة تشجِّع على العلم والمعرفة، وإن كان تسلُّط المتشددين يقف بالمرصاد للمفكِّرين. وفي نهاية الأمر، نجح في قمع أي نهضة علمية أو فكرية.
وجدير بالذكر أن الوضع في أوروبا لم يكن أفضل حالًا؛ وهذا لأن الكنيسة كانت أيضًا تسيطر على مفاصل الدولة وعلى المفكِّرين. لكن، فيما يبدو أن الرَّاهب والفيلسوف الإيطالي توما الأكويني Thomas Aquinas (1225-1274م) قد تعلَّم الدَّرس من الأسلاف، وأقربهم إلى زمانه كان ما حدث للعالم الفيلسوف ابن رشد. لكن الأكويني استطاع بحكمة فائقة أن يشجِّع على بناء النهضة الأوروبية والغربية بوجه عام، التي نشهدها حاليًا ونسير على دربها. ومن ثمَّ، استطاع توما الأكويني أن يصبح أهم وأبرز المفكِّرين ورجال الدِّين في القرون الوسطى في الغرب، وهذا لكونه استطاع التوفيق فيما بين العلوم الكاثوليكية المتشددة والمنهاج الفلسفي العقلاني. ومن خلال المنهاج الفلسفي الذي نادى به، وجد العلماء والمفكّرون متنفسًا وبيئة صالحة للتقدُّم والازدهار.
وقوَّة توما الأكويني تنبع ليس فقط من تأثيره على العامة، ولكن أيضًا على الكنيسة المسيحية؛ حيث رسم منهاجيتها التي سارت عليها حتى الوقت الحالي، ويعد كتابه «الخلاصة الفلسفية» Summa Theologica من أهم المراجع الفكرية المسيحية، هذا بالإضافة إلى كتاباته الكثيرة والقيِّمة في علم اللاهوت والفلسفة والأخلاق والقانون الأخلاقي. والمنهاج الفلسفي الذي تبنَّاه الأكويني يقضي بأنَّ الإنسان يصل إلى المعرفة بشكل صحيح ومتَّزِن حينما يجتمع الإيمان والعقل معًا، مع التشديد أنه لا يستقيم الوضع إذا كان أحدهما ضد الآخر، أو تقدَّم أحدهما بدون الآخر. وبهذا استطاع أن يصل إلى المعادلة الصعبة التي يستطيع بها استرضاء كلِّ من رجال الدين المتشددين، وكذلك روَّاد التقدُّم والتفكير العقلاني.
وفي أضخم أعماله الفكرية المسيحية «الخلاصة الفلسفية» Summa Theologica اجتهد توما الأكويني أن يصل إلى تقديم حجَّة قوية للبشر تقضي بوجوب الاهتمام بأمور جوهرية مثل الأخلاق، والعدل، والخير، وتحقيق العدل على الأرض، والعمل من أجل الصَّالح العام. وكان يصرّ على التشديد على أن المُتعة الحقيقية لا تكمن في اكتساب المنافع المادية، أو الانغماس في الملذَّات. واستطاع الأكويني بأفكاره، غير النمطية تلك، أن يجعل من فلسفته وتعاليمه نبراسًا وقانونًا يفضله البشر لكي تستقيم المجتمعات المتقدِّمة في ظل السعي الحثيث وراء الملذات والمنافع والإغراءات المادية، التي تتعاظم من جيل إلى آخر. ومن أكبر الأدلَّة على خلود فلسفته أنها لا تزال تدرَّس إلى وقتنا الحالي في أرقى المجتمعات الأوروبية، ليس لأنها تُعلي من شأن اللاهوت، بل لحاجة المجتمعات المادية الحالية إلى وجود منظومة أخلاقية متَّزنة أساسها العدالة من أجل مجابهة الأنانية والفردية التي فرضتها الحياة العصرية.
ومن الجدير بالذكر أن توما الأكويني نفسه كان شخصاً هادئ الطباع نادر الكلام، بالرغم من جسده الضخم المهيب. وبسبب بعده عن الانخراط في الحديث مع الرهبان الآخرين، كانوا يصفعونه بالسخرية والتهكُّم من شخصه، لدرجة أنهم أطلقوا عليه في الدير «الثور الصَّامت». وفي أحد الأيام، وبسبب معرفتهم بأمر رؤى الأكويني للسيدة العذراء، اشتدّت سخرية الرهبان منه لدرجة أنهم نادوا عليه يومًا بحجة أنهم يشاهدون أبقاراً تطير في السماء. لكنه كعادته، لقّنهم درسًا أخلاقيًا بالإجابة بأنه «لأوَّل مرَّة يشهد رهباناً يكذبون».
حارب توما الأكويني تسلُّط الكنيسة بالعلم، وصار من يذكِّر القائمين عليها بوجوب التزام منهاج أخلاقي لا يحيد عن الحقّ وتحقيق العدالة التي لا تتأثَّر بأهواء البشر. وموقفه المتوازن كان نتيجة الدَّرس الذي تعلَّمه من أسلافه مثل ابن سينا وابن رشد، اللذين كان منهاجهما الفلسفي العقلاني والمنطقي هو الأساس الحقيقي الذي قامت عليه فلسفته، وإن أدخل بعض التعديلات، وهذا فقط لتلافي الاصطدام مع الأبقار التي تطير، أو بالأحرى مع الأكاذيب والأفكار المغلوطة التي من شأنها تقويض أي نجاح وكبح مسيرة التقدُّم في العلوم.
تواصل فعاليات أماسي رمضان في جرش
زيادة في عدد العاملين بالقطاع السياحي العام الماضي
التحرش في برنامج مقالب رامز يثير الضجة
انهيار الثقة بالضمان الاجتماعي يهدد استدامته
إدارة ترامب تدرس السماح بتخصيب نووي رمزي لإيران
كيفية تداول الذهب: دليل شامل للمتداولين
إجلاء مئات الجنود الأمريكيين من قطر والبحرين .. ماذا يحدث
جدل حول إدخال الإعلانات إلى شات جي بي تي ومخاوف من انتهاك الخصوصية
30 وجبة إفطار مختلفة لمائدة إفطار رمضان
خطوبة سيدرا بيوتي ورامي حمدان تتصدر الترند بمليون إعجاب .. فيديو
وظائف ومدعوون للاختبار التنافسي ولإجراء الفحص العملي
قفزة جديدة بأسعار الذهب محلياً اليوم
دولة عربية تنفرد بإعلان غرة رمضان يوم الأربعاء
إيقاد شعلة اليرموك احتفاءً باليوبيل الذهبي .. صور
وفاة نجم فيلم العرّاب الممثل الأسطوري روبرت دوفال
أعراض قد تشير إلى مشكلات في القلب
يحق لهذا الموظف التقاعد متى شاء .. توضيح حكومي
ليلة أصالة في موسم الرياض .. ليلة مثل الحلم
نور الغندور بالشعر المنسدل فوق قمم سويسرا الثلجية .. صور
تثير ضجة .. لحظات من الدلع والإثارة تجمع هيفاء وهبي بسانت ليفانت (فيديو)



