محظوظٌ هذا القرد
في زاوية من هذا العالم، كان قرد صغير يحتضن دمية برتقالية، كما يحتضن طفل وسادة تفوح منها رائحة أمّه. اسمه بانش، ستة أشهر فقط من الحياة، ثم انقطعت السلسلة الأولى، التي تربط الكائن بالحياة، تخلت عنه أمه.
هكذا هجرته والدته مباشرة، رفضت إرضاعه، رفضت رعايته، وتركته وحيداً في قفص بارد في حديقة بعيدة. فأهدوه دمية. دمية قرد، فاعتبرها أمه.
يحملها معه إلى كل مكان. ينام على بطنها، يعض أذنها، يتشبّث بها حين يخاف، ويخفي وجهه في صدرها القماشي، حين تضج الحديقة بأصوات الغرباء.
العالم بكى. وأنا كنت واحدة منهم. نعم بكيت بشدة، بكيتُ حين رأيته يضع رأسه الصغير على صدر الدمية. شعرت أن في المشهد شيئاً هشّاً يلامس قلبي. كأن الكائن حين يحرم من أمه، يتحوّل إلى جملة مفتوحة لا تكتمل.
تصدّر بانش المنصات. زار الناس الحديقة فقط لرؤيته. وقفوا خلف الأسوار الزرقاء، التقطوا الصور، كتبوا تعليقات طويلة عن الفقد، عن الطفولة، عن الحنان الذي يبحث عن بديل.
لكن السؤال الذي لم يتركني هو هذا: كم طفلاً في غزة احتضن وسادة بدل أمه؟ كم طفلاً في السودان نام على حجر، لأن صدر أمه صار تحت التراب؟ كم طفلاً لم يجد دمية، ولا كاميرا، ولا أسواراً زرقاء تفصل بين ألمه والعالم؟
محظوظ هذا القرد. نعم، محظوظ. لأن دميته كانت واضحة في الإطار. ولأن فقده كان قابلاً للمشاركة. ولأنّ قصته قصيرة، بسيطة، يمكن اختزالها في ثلاثين ثانية من التعاطف.
أما أطفال الحروب، فحزنهم طويل، معقّد، غير مناسب للعرض السريع.
بانش فقد أمّه، فأعطوه أمّاً بديلة. وأطفال غزة فقدوا أمهاتهم، فأعطوهم خيمة. وأطفال السودان فقدوا صدوراً كانت تحميهم من الليل، فأعطوهم نشرات أخبار.
القرد الصغير لم يسأل عن السياسة. لم يطلب منه تفسير التاريخ. لم يطلب منه أن يثبت براءته. كان يكفي أن يحتضن دمية، ليستحق حب العالم.
أما الطفل الذي يخرج من تحت الركام، فيسأل عن اسمه، وعن أبيه وأمه، وعن بيته، ومنطقته، وعن وعن.
أي مفارقة هذه؟
أنا لا ألوم من تعاطف مع بانش. أنا تعاطفت. أنا رأيت في قبضته الصغيرة شيئاً يشبه أصابع ابني، حين كان يخاف من العتمة. رأيت في بحثه عن دفء قماشيّ صورة عن كل كائن حين يجرَّد من أمه.
لكني خفت من شيء آخر. خفت أن يكون تعاطفنا انتقائياً. أن نبكي حين يكون الألم آمناً… أن نختار الحزن الذي لا يطالبنا بشيء!
القرد الصغير لن يطالبنا بوقف حرب. لن يطالبنا بعدالة. لن يربك ضمائرنا بأسئلة سياسية. كل ما يريده هو دمية.
أما الطفل الذي فقد أمّه تحت القصف، فحزنه ثقيل. يحرج العالم. يذكّرنا بأن هناك قاتلًا، وأن هناك قراراً، وأن هناك صمتاً.
محظوظ هذا القرد، لأن العالم لم يختلف عليه.
لم ينقسم الناس بين من يصدقه ومن يشكك في قصته. في الصور الأخيرة، رأيت بانش يتأقلم. يلعب مع أقرانه في الحديقة. يتقبل يد قردة كبيرة تنظف فروه. يبدو أنّه بدأ يعتاد الأجواء. وأحب حياة الشهرة.
وأنا تمنيت له ذلك. تمنيت أن يكبر بلا خوف. أن يجد دفئاً حقيقياً، لا قماشياً.
لكني تمنيت شيئاً آخر أيضاً. تمنيت أن يحظى طفل في خيمة ما بدمية برتقالية. أن يحظى بعالم يقف خلف سياج أزرق، فقط ليطمئن أنه بخير.
أنا لا أكتب لأقلل من ألم كائن. الأم هي الأم، سواء كانت بشراً أو قردة. والفقد هو الفقد، حين ينكسر أول رابط بين الجسد والحنان.
لكني أكتب لأقول إن الحزن لا يتساوى في عدسة العالم. بعض الأحزان قابلة للتداول، وبعضها يثقل الذاكرة.
بانش أصبح ترنداً. وأطفال الحروب أصبحوا أرقاماً.
في المشهد الأول، دمية برتقالية. في المشهد الثاني، بطانية رمادية.
في المشهد الأول، زوار يأتون من حول العالم. في المشهد الثاني، عالم يشيح بوجهه.
محظوظ هذا القرد، وأنا لا أسحب دموعي عنه. لكني أتمنى أن يتسع قلبي وقلب العالم ليحتمل مشهدين في آن واحد، قردً يحتضن دمية، وطفلً يحتضن فراغاً.
لأن الفقد لا يختار جنسه، ولا لغته، ولا جغرافيته.
ولأن الأم، حين تغيب، تترك في صدر الكائن حفرة لا تملؤها دمية، ولا كاميرا، ولا ترند.
تملؤها فقط يد حقيقية، وقلب لا يساوم على التعاطف.
وأنا أريد أن أكون من هؤلاء.
حين يغتال الأمان في عمر الثلاثة أعوام
ليست الجريمة في هذه الحادثة رقماً يضاف إلى سجل، ولا عنواناً عابراً في شريط أخبار. إنها وجع صغير بحجم طفل في الثالثة من عمره، حمل جسده ما لا يحتمله الكبار، وصار اسمه همساً في بيوت كثيرة ترتجف خوفاً.
في هذا العمر، لا يعرف الطفل معنى الجريمة، ولا يملك لغة يشرح بها ما حدث له. كل ما يملكه هو تغيّر في البكاء، انطفاء مفاجئ في العينين، انطواء لم يكن جزءاً من طبيعته، وخطوات مرتبكة كأن الأرض لم تعد مأمونة. حين بدأت الأم تلاحظ التحول الحاد في سلوك صغيرها، سمعت صرخة مكتومة لا تجد كلماتها.
الأطفال لا يروون الاعتداء، كما يفعل الكبار. أجسادهم هي التي تتكلم، خوف من لمس غير مفهوم، صمت ثقيل، رفض للكلام، وصعوبة في المشي. الجسد يحتفظ بما تعجز الذاكرة عن صياغته. في عمر لم يتعلّم فيه الطفل بعد كيف يربط حذاءه، يزرع فيه خوف مبكّر من العالم، كأن البراءة نفسها صارت عبئاً عليه.
هذه الجريمة لا تسرق لحظة فحسب، إنها تسرق الأمان. والأمان هو الركيزة الأولى التي يقف عليها الطفل ليبني ثقته بالحياة. حين يغتال الأمان داخل فضاء يفترض أن يكون الأكثر حماية، كرياض الأطفال، فإن الخلل لا يكون فردياً فقط، إنما أخلاقياً ومؤسساتياً.
الأم التي أرسلت طفلها ليتعلّم الألوان والحروف، لم تكن تتخيّل أنها تسلّمه لامتحان في النجاة. لم تكن تتوقع أن تتحوّل الملاحظة اليومية لسلوكه إلى باب يفضي إلى كابوس. بين لحظة الثقة ولحظة الاكتشاف، مسافة تقاس بمدى انكسار القلب.
هذا الطفل لا يحتاج شفقة موسمية، ولا تعاطفاً عابراً على منصات التواصل. يحتاج عدالة واضحة، وإجراءات صارمة، ونظاماً يضع سلامة الأطفال فوق كل اعتبار. يحتاج أن يعرف، حين يكبر، أن ما حدث له لم يمرر بصمت، وأن المجتمع الذي خذله مرة، وقف لاحقاً ليحمي غيره.
الألم هنا ليس حكاية شخصية. إنه جرس إنذار. فحين يصبح الخوف جزءاً من طفولة في الثالثة، يصبح السؤال جماعياً: من يحمي الأطفال؟ ومن يضمن أن أبواب المدارس ورياض الأطفال تبقى أبواباً للتعلم، لا ممرات إلى العتمة؟
في هذا العمر، كان يجب أن يكون أكبر هم للطفل لون قلمه، لا لون الكدمة على جسده. كان يجب أن تكون خطواته الأولى نحو اللعب، لا نحو الصمت. وحين يختبر الأمان بهذه القسوة، فإن المسؤولية لا تقع على فرد واحد فحسب، إنما على منظومة كاملة مطالبة بأن تعيد تعريف الحماية بوصفها التزاماً لا يساوم عليه.
الطفولة ليست مرحلة عابرة يمكن تعويضها لاحقاً. إنها الأساس الذي يبنى عليه الإنسان كله. وحين يتصدّع الأساس، فإن إصلاحه لا يكون بالكلمات، إنما بالفعل، وبقانون يحمي، وبوعيٍ لا يتهاون، وبمجتمع يرفض أن يختزل الألم في خبر عابر.
هذا الطفل ليس قضية تناقش ثم تنسى. إنه سؤال مفتوح في ضميرنا جميعاً.
*كاتبة لبنانيّة
ألمانيا تسعى للحصول على مزيد من طائرات إف-35
إطلاق منصة حكومية لجمع التبرعات لصالح الأسر الأردنية المحتاجة
غوتيريش يحذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي
قفزة أوروبية بنسبة %17.4 تنعش السياحة الأردنية في يناير
ترامب يستعد لرئاسة أول اجتماع لمجلس السلام اليوم
تراجع أسعار النفط وسط توتر أميركي إيراني
رسائل عسكرية وإشارات دبلوماسية تمسك بقرار الحرب
زلزال بقوة 5.5 درجة يضرب جنوب إيران
تركيا في النظام العالمي الجديد
طقس بارد اليوم وارتفاع على درجات الحرارة حتى السبت
تفاصيل تحبس الأنفاس لإنقاذ الطفل عبد الرزاق من بئر بعمق 30 مترًا .. فيديو
بينها عربية .. دول تعلن الخميس غرة شهر رمضان
أسعار الذهب تهوي محليًا .. وعيار 21 دون المائة دينار
عدم تمديد مواعيد القبول الموحد للدورة التكميلية 2025-2026
المستقلة للانتخاب تبلغ مجلس النواب بعضوية حمزة الطوباسي رسميا
القاضي: تعزيز العمل الحزبي البرلماني هدف آمن
جدل حول إدخال الإعلانات إلى شات جي بي تي ومخاوف من انتهاك الخصوصية
16736 طالبا وطالبة استفادوا من المنح والقروض في البلقاء التطبيقية
خطوبة سيدرا بيوتي ورامي حمدان تتصدر الترند بمليون إعجاب .. فيديو
رمضان فرصة لتعزيز الصحة .. تفاصيل
مندوبا عن الملك وولي العهد… العيسوي يعزي عشيرة العمرو
قفزة جديدة بأسعار الذهب محلياً اليوم
استقالات جماعية في اتحاد المنتجين الأردنيين بسبب إجراءات انتخابية مثيرة للجدل
البلقاء التطبيقية بطلاً لبطولة الجامعات الأردنية في خماسي كرة القدم
