للحب ثمن أيضا
عشنا هذه الأيام أفراح «عيد الحب» بأشكاله المختلفة، في عالم تخترقه المظالم والتقتيل المجاني والتهديدات باندلاع حرب نووية لن تبقي شيئا حيا على الأرض. الحب ليس قلوبا وورودا افتراضية نوزعها هنا هناك بلا أدنى إحساس، من كثرة تكرارها، لأصدقاء لا يجمعنا بهم الحب الكبير، ولكن نبارك لهم كما نبارك لمن نحب تقريبا بنفس الصور، بشكل يكاد يكون آلياً. هل وصل الحب إلى أن يصبح مجرد فعل آلي بلا أدنى إحساس؟ ما زلت من جيل تستعصي عليه هذه الممارسات. الحب إحساس عميق يسكننا وله أصداء متواترة عبر الزمن في أعماقنا. لا يوجد حب ينشأ في الفراغ. هل نعيش الحب بطريقة واحدة؟ المرتاح سيعيش لحظاته وفق هذه الراحة. لكن من ينام ويستيقظ على أزيز الطائرات والزنانات لا يمكن أن يكون لديه نفس الإحساس بالحب؛ يفكر أولا في ضم أولاده إلى صدره وزوجته أو حبيبته، ويفكر كيف يجعل من حياته ديمومة، يخرج تحت القصف والموت بحثاً عن قوت أولاده. حالة حب في أقاصيها، لكن ثمنها يمكن أن يكون قاسيا. عند من يعيش سلاماً مرتاحاً تمر الأيام أمامه كما يشتهيها، ليس كالغارق في صلب المآسي ويدفن كل يوم صديقا أو فردا من أفراد عائلته. نعم، للحب ثمن أيضا؛ أن تحب وطنا مثلا عليك أن تكون مستعدا لدفع الثمن بحياتك، وأن تحب إنساناً عليك أن تكون مستعدا أيضاً لدفع الثمن غالياً من أجل حمايته من الخوف والعزلة والفقدان. جميل أن يكون الحب لحظة إنسانية تحلق بنا عالياً في السماوات الملونة، تاركين وراءنا كل ما يؤذينا ولا نلتفت إلا لألوان السماء الساحرة. ولكن للحياة وجه آخر اسمه القسوة والخيبة والتراجيديا. الأساطير الإنسانية تمنحنا درسا عظيما حيث يلتصق الحب بالتضحية. أذكر في هذا السياق قصة البغية التي جعلت من حياة العاشقين، نجمة وسعد جاب الله، مداراً لمأساتها التي بدأت بلحظة عشق طفولية وانتهت بانتحار نجمة وذبح جاب الله، وقصيدة «البغية» تراجيدية مؤذية.
البُغْية [البوغي] يعرف كثير من الناس الأغنية الشهيرة التي أصبحت علامة على المالوف القسنطيني وهي (البوغي). لكن من يعرف قصة البوغي؟ يقول الباحثون إن القصة رغم شهرتها ما تزال محاطة بالكتمان حتى الآن؛ من جهة، لأنها واقعية وبعض العائلات التي تعنيها الأحداث ما تزال موجودة حتى الآن، ومن جهة أخرى لأن هذه القصة ارتبط فيها الفن بالحب وبالموت أيضاً، ما جعل روايتها محفوفة بالمخاطر: التحريم والمنع والاتهام، رغم أنها تغنى في أعراس العائلات ويترنم بها كبار أساتذة المالوف. وقد جرت أحداثها بين مدينة قسنطينة وعنابة في نهايات القرن الثامن عشر. فالشاعر سعد جاب الله كان مقيماً بعنابة، ولكن أصله من سكيكدة. هناك حي بمدينة عنابة كان يحمل اسمه إلى وقت قريب: حي بن جاب الله. ونجمة، موضوع القصيدة، شابة من قسنطينة. فهذا النص يسرد وقائع يرد بعضها في الحكايات المتداولة وتغيب وقائع أخرى. فالمتن الشعري هو الأصل وهو الذي حفظ القصة بما تتضمنه من معان، وأوصلها إلى نطاق واسع من الجمهور من كل العصور والأعمار.
التسمية نفسها تحتاج إلى توضيح؛ فكلمة البوغي -رغم شهرة الأغنية بها- لا وجود لها. وهي تحريف لكلمة «البُغية» الواردة في مطلع القصيدة الشهيرة (بالبُغيَة تقوى غرامي) فما قصة (البغية) هذه؟
تقول بعض الروايات إنه كانت في مدينة قسنطينة عادة كريمة تحدث مرة في السنة، وهي أن تخرج نساء العائلات الكبيرة الميسرة إلى المدينة فيجمعن المال من العابرين ثم يعطين هذا المال لفقراء المدينة. هذه العادة تسمى البُغية أي (طلب الصدقة للغير). وربما كان المال المحصل هو البغية.
تسجل القصيدة في مطلعها أن بداية الأحداث كانت بهذه المناسبة. (بالبغية تقوّى غرامي). وتورد بعض المرويات الشعبية أخباراً مفادها أن «نجمة» كانت سيدة راقية من كريمات المدينة نزلت مع نساء قسنطينة لأداء «واجب» التسول من أجل الفقراء، فمر بها شاعر زجّال من مدينة عنابة اسمه سعد جاب الله بن سعد، يزاول عملاً عادياً في المدينة، وربما يغني في بعض أعراسها. ربما كان أجدر أن يتلقى المال من تلك السيدة الجميلة، لكن الذي وقع كان عكس ذلك تماماً؛ إذ إنه أمام جمالها الباهر أعطاها كل ما جمعه من مال، وتبادلا بعض الكلمات، فأخبرته أنها مخطوبة ولا يحق لها أن تكلم الغرباء، لكن وعدته بالصداقة.
مرت الأيام والشاعر يتجول في المدينة منشداً طروباً، يحيي السهرات ويلتقي بها سراً عن طريق خادمتها اليهودية. صادف أن كان في جماعة أصدقاء من أكابر المدينة يخرجون عادة لضواحي المدينة فيقضون أوقاتاً في اللهو والطرب وجلسات الحشيش، ودعوه إلى جلستهم لمهارته في الغناء والعزف. وفي لحظة من لحظات الجلسة، بلغت النشوة مداها، فأخرج كل منهم شيئاً يفخر به على أنه هدية حبيبته التي تحبه وأهدته إياه تعبيراً عن حبها له، ثم يرميه في طبق موضوع في وسط المجلس (طبق الرشق). ووصل الدور إلى سعد، فقال إن له حبيبة في المدينة، فطلبوا منه أمارة تدل على ذلك، فركض نحو بيتها وطلب منها أن تبعث له شيئاً منها. تروي القصيدة أنه لم يطلب منها شيئاً محدداً، بل أخبرها بما وقع له وقال لها (أعطني ما يناسب ويوالم) لأنه كان غريباً عن المدينة ولم يكن يدري ما يطلب بالضبط. قصت نجمة خصلة من سالفها الطويل ورصعته بدرة من أجمل الدرر، وربطته بحزامها ودلّته من النافذة للشاعر الذي كان ينتظر في الأسفل. أخذ الأمارة وعاد إلى جلسات الشبان مزهواً بكنزه الثمين.
حين وصل إلى المجلس احتفى به الحاضرون وسألوه إن كان أحضر البرهان. فأجاب بالإيجاب. وأخرج الدبلون (درة وسط الحزام) من جيبه. وهنا تتفرع الروايات ويبدأ التحول الدرامي؛ فالرواية الأولى تقول إن أحد الحاضرين كان من عائلة نجمة الكريمة ولعله قريب زوجها وتعرف مباشرة على الدبلون الذهبي، فالعائلات تنفق مالاً كثيراً لشرائه دلالة على المكانة الاجتماعية. ويمكن لأبناء العائلة الواحدة أن يتعرفوا على جواهرها. وربما كان يحمل نقشاً ما. وبمجرد أن عرف ذلك، نشبت معركة في المجلس، وهدد هذا الرجل الشاعر بالقتل. ورواية أخرى تقول إنهم طلبوا منه ذكر اسم حبيبته فذكره كاملاً، وهنا عرف الحاضرون اسم عائلة ابن حسين الشهيرة، وشاع الخبر.
كان للشاعر سعد جاب الله صديق نصحه بأن يغادر المدينة فوراً (انقل روحك تا سوايع – لا يروح لحمك وزايع) أي أن ينفي نفسه ويخرج من المدينة لئلا يقطّع إرباً إرباً. فخرج في الظلام وسار عائدا إلى عنابة وحيدا خاليا من الزاد. يصف الشاعر نفسه في القصيدة فيقول (نجوب القفار والسالف زادي) خرج بلا عوين ولا مؤونة. كل ثروته تتمثل في خصلة الشعر ومعها الدرة الثمينة. عاد إلى مدينته عنابة واستقر هناك، وأعلن توبته عن الشعر والخمر والحشيش والنساء، وربما حتى عن السفر على عادة السندباد: يعلن توبته بعد كل رحلة. لكن ما يلبث أن يعود إلى السفر والمغامرة متى دعاه داعي الرحيل. وهذا ما وقع بالضبط للشاعر. بعد ثلاث سنوات جاءته دعوة من نجمة ليحيي حفلة ختان ابنها.
تقول بعض الروايات إن نجمة بعد رحيل الشاعر جاب الله أصيبت بوسواس ولم تجد راحتها إلا لدى الشوافات، تذهب إليهن للاستشارة فيخبرنها بما وقع لحبيبها. لم تكن تعلم بشيء مما جرى. وأخبرتها إحدى شوافات قسنطينة أنه سيعود إليها وستلتقي به في لمة كبرى، لكنها لا تعرف إن كانت عرساً أم مأتماً. أوحى لها ذلك بفكرة وبخطة للقاء به ومشاهدته على مرأى ومسمع من الناس. فأرسلت إليه لإحياء حفل ختان ابنها. ما إن وصل الرسول وسلمه الدعوة، حتى هبّ مسرعاً للسفر. يقول في القصيدة (وصلت لمدينة الهوى عقلي طاير). مدينة قسنطينة. سأل عن صديقه القديم وأخبره بالخبر، فأشار عليه أن يتريث لأن في الأمر مغامرة على قدر من الخطورة. ولكن الشاعر لم يكن ليهتم كثيرا بتحذيرات صديقه الوفي الذي رافقه للحفل من باب الاحتياط. عند مدخل قصر نجمة، تراجعت فرقته الموسيقية المكونة من عشرين شخصا، فوجد نفسه برفقة صديقه العازف أيضا، فقط. في الحفل غنى الشاعر قصيدته «البغية» التي تروي قصته كاملة وذكر فيها حتى قتله في نهاية المشهد.
العساف: تقنيات الذكاء الاصطناعي لتنظيم المرور ويعلن خطة رمضان
منخفض جوي يضرب سوريا ولبنان الأربعاء .. أمطار غزيرة وثلوج على الجبال
سوريا: مخيم الهول… مؤقّت بلا نهاية
اختطاف مادورو بين السياسة والقانون
30 وجبة إفطار مختلفة لمائدة إفطار رمضان
أشهى وصفات الكوسا في رمضان والمناسبات
الشرطة الأميركية: القبض على شاب ركض نحو مبنى الكونغرس حاملا بندقية
الفاتيكان لن يشارك في مجلس السلام برئاسة ترامب
لماذا يُنصح بالإفطار على التمر .. خبراء يوضحون السر
المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا و البحث العلمي… عقدٌ جديد يكتب مستقبل الأردن
صرف راتبين إضافيين سنوياً… خطوة إنقاذ للاقتصاد وإغاثة للمواطن
بينها عربية .. دول تعلن الخميس غرة شهر رمضان
وظائف ومدعوون للامتحان التنافسي والمقابلات .. أسماء
صرف الرواتب مبكراً في هذا الموعد .. لدعم الأسر الأردنية قبيل رمضان
أول سيارة كهربائية من فيراري بلمسة تصميم آبل
الطوباسي يؤدي اليمين الدستورية عضوا في مجلس النواب خلفا للجراح الاثنين
أسعار الذهب تهوي محليًا .. وعيار 21 دون المائة دينار
الزراعة النيابية تناقش استيراد الحليب المجفف وتصدير الخراف ومشاريع الحراج
التعليم العالي: تحديد دوام الطلبة في رمضان من صلاحيات الجامعات
عدم تمديد مواعيد القبول الموحد للدورة التكميلية 2025-2026
المستقلة للانتخاب تبلغ مجلس النواب بعضوية حمزة الطوباسي رسميا
رابط تقديم طلبات الالتحاق بكليات المجتمع للدورة التكميلية
القاضي: تعزيز العمل الحزبي البرلماني هدف آمن
