اختطاف مادورو بين السياسة والقانون
درستُ القانون الدولي، وقرأته بعينٍ متفائلة وقلبٍ مفعمٍ بالأمل، مؤمنة بعالمٍ تحكمه العدالة، ويُنصف فيه الضعيف، ويتساوى الجميع أمام القانون، دون استثناء. كنتُ أظن أن القانون هو السقف الأعلى الذي لا تعلوه إرادة، ولا تنكسر تحته قيمة. فالسياسة ـ كما تعلمنا ـ يُفترض أن تتحرك داخل إطار القانون الدولي، ذلك الإطار الذي وُضع لتنظيم العلاقات بين الدول، وحماية السيادة، وصون حقوق الإنسان، ومنع الفوضى، لكن ما إن غادرت قاعات الدراسة وأغلقت الكتب، حتى اصطدمت بواقعٍ مختلف؛ واقعٍ يقف فيه القانون الدولي، بنظرياته ومبادئه، عاجزا أمام جبروت السياسة. واقعٍ تتحول فيه السياسة، في كثير من الأحيان، إلى قوةٍ تتجاوز القانون، لا تستند إلى المبادئ، بل إلى موازين القوة وحدها.
هكذا بات القانون يُحترم حين يخدم المصالح، ويُلتفّ عليه أو يُنتهك حين يتعارض معها، لتتجسّد المقولة المريرة: «القانون الدولي قويٌّ على الضعفاء، ضعيفٌ أمام الأقوياء».
خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، طُرحت علنا داخل أروقة الإدارة الأمريكية احتمالات التدخل العسكري في فنزويلا لإسقاط نظام الرئيس نيكولاس مادورو، الذي وُصف في الخطاب الأمريكي بأنه نظام استبدادي، بالتوازي مع فرض عقوبات اقتصادية خانقة وضغوط متواصلة هدفت إلى إنهاك الدولة الفنزويلية ودفعها إلى تغيير مسارها السياسي. وجاء عام 2025 كمرحلة فاصلة في المسار السياسي، إذ بدأت الولايات المتحدة الأمريكية حشدا عسكريا ملحوظا في جنوب البحر الكاريبي تحت ذريعة مكافحة المخدرات، رغم أن تصريحات ترامب كشفت نوايا أبعد، تمثّلت في الحديث الصريح عن احتلال فنزويلا، والسيطرة على نفطها، وإدارته عبر شركات أمريكية. وترافق ذلك مع ضربات عسكرية استهدفت سفنا في الإقليم، واتهام مادورو بقيادة ما وصفته واشنطن بـ«دولة المخدرات»، والتشكيك في نزاهة الانتخابات الرئاسية عام 2024. تصاعدت حدّة الإجراءات لتشمل مصادرة ناقلات نفط تحمل الخام الفنزويلي الخاضع للعقوبات الأمريكية، في خطوة عكست انتقال المواجهة من الضغط السياسي والاقتصادي إلى تضييق مباشر على شريان الطاقة الفنزويلي. تعارض الأيديولوجيات بين اشتراكية كراكاس ورؤية واشنطن الليبرالية، خصوصا بعد تحالف فنزويلا مع خصوم الولايات المتحدة، عمّق التوترات وجعلها، في نظر واشنطن، قاعدة نفوذ لمنافسيها داخل أمريكا اللاتينية. فالإدارة الأمريكية ترى في سياسات فنزويلا الاشتراكية تهديدا مباشرا لهيمنتها الإقليمية، ولتوازنات النفوذ والسيطرة على الموارد.
هكذا تشابكت خيوط الأزمة بين صراع على النفوذ، وتنافس على الثروات، وخلافات أيديولوجية، وتحالفات جيوسياسية. وفي ظل هذا التصعيد المتدرّج، أقدم الرئيس دونالد ترامب على شن هجوم عسكري استهدف كراكاس، عاصمة فنزويلا، انتهى باختطاف الرئيس مادورو وزوجته ونقلهما لمحاكمتهما أمام محكمة فيدرالية في نيويورك، في سابقة أثارت جدلا دستوريا وقانونيا واسعا داخل أمريكا نفسها. فالدستور الأمريكي لا يمنح الرئيس صلاحية شن حرب هجومية أو تنفيذ عمل عسكري واسع النطاق دون تفويض صريح من الكونغرس. صحيح أن الرئيس يُعدّ القائد الأعلى للقوات المسلحة، غير أن هذه الصفة، وفق الفهم الدستوري المستقر، تقتصر على إدارة العمليات الدفاعية وحماية البلاد من أخطار وشيكة، أو حماية مصالح أمريكية مباشرة ومحددة، ولا تمتد إلى إطلاق أعمال عسكرية هجومية أو عدوانيه واسعه النطاق، دون سند تشريعي. وحتى في الحالات التي يُسمح فيها بعمليات عسكرية محدودة، فإنها لا تشمل خطف رؤساء دول ذات سيادة، حتى إن وُجّهت إليهم اتهامات جنائية، ما يُعد تجاوزا صارخا للضوابط الدستورية. وقد تجلّى هذا الخلل حين صوّت مجلس الشيوخ، لاحقا، على قرار يقيّد الرئيس ويمنعه من أي عمل عسكري إضافي ضد فنزويلا، دون موافقة تشريعية، في إقرارٍ ضمني بأن ما جرى شكّل خرقا للسلطات الدستورية.
هناك جدل دستوري داخلي في الولايات المتحدة حول ما إذا كان الرئيس ترامب قد تجاوز سلطات الكونغرس في العملية التي نفذها ضد فنزويلا. بعض أعضاء الكونغرس، من الجمهوريين والديمقراطيين، يرون أن العملية لم تكن مجرد عمل محدد أو محدود، بل امتدت لتصبح عملا عسكريا واسعا، يستلزم مصادقة رسمية مسبقة من السلطة التشريعية، وهو ما لم يحصل. ويؤكد القانون الأمريكي، ولاسيما قانون صلاحيات الحرب، على ضرورة أن يقوم الرئيس باستشارة الكونغرس في أسرع وقت ممكن قبل إدخال القوات الأمريكية في نزاع عسكري، وأن يُبلغه خلال فترة قصيرة بعد بدء أي عمل عسكري، مع الالتزام بوقف استخدام القوة خلال مدة محددة إذا لم يمنح الكونغرس موافقته الرسمية. وهذه القيود لم تُوضع عبثا، بل جاءت لضمان عدم ترك قرار الحرب بيد السلطة التنفيذية وحدها. وجود مذكرات توقيف أو دعاوى أمام محاكم أمريكية لا يمنح، بحد ذاته، أي شرعية قانونية لعملية عسكرية خارج الحدود، فالولاية القضائية للقضاء الأمريكي، من حيث الأصل، تظل محصورة داخل الإقليم الأمريكي، ولا يمكن توسيعها بالقوة العسكرية. وعليه، فإن ما جرى يُعدّ عملية عسكرية وقسرية تمت خارج الإطار الدستوري، ولا تستند إلى تفويض قانوني واضح وصريح من الكونغرس. وفي سوابق السياسة الأمريكية، جرى أحيانا تبرير تدخلات عسكرية بذرائع مثل «حماية المواطنين الأمريكيين»، أو «الدفاع عن المصالح القومية»، غير أن هذه التبريرات ظلت محل جدل فقهي ودستوري، ولم ترقَ يوما إلى مستوى النص الصريح في الدستور.
أما على الصعيد الدولي، فإن العملية تمثل انتهاكا واضحا لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، الذي يفرض أن رؤساء الدول لا يمكن اعتقالهم، أو محاكمتهم في دولة أخرى أثناء شغلهم مناصبهم، إلا في ظروف استثنائية جدا، وضمن محكمة دولية مخوّلة بذلك، مثل المحكمة الجنائية الدولية في حالات الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب. وتُعدّ أيضا انتهاكا لمبدأ عدم استخدام القوة ضد سيادة الدول، وهو أحد أهم المبادئ التي بُني عليها ميثاق الأمم المتحدة، الذي نص صراحة، على أنه لا يحق لأي دولة استخدام القوة ضد سلامة أراضي دولة أخرى أو استقلالها إلا في حالتين محددتين: الدفاع المشروع عن النفس وفق المادة 51 من الميثاق. تفويض صريح من مجلس الأمن وفق الفصل السابع من الميثاق.
وبما أن أيا من هاتين الحالتين لم ينطبق على العملية العسكرية الأمريكية ضد فنزويلا، فإن هذا العمل يُصنَّف، وفق القانون الدولي، على أنه جريمة عدوان، ويُعد مخالفة صارخة للشرعية الدولية ولقواعد استخدام القوة بين الدول. ولهذا اجتمع مجلس الأمن في جلسة طارئة في يناير 2026، لكن الجلسة انتهت بتبادل الآراء والمواقف، دون إصدار أي قرارات ملزمة. وكنا نتمنى أن يصدر مجلس الأمن قرارا صريحا يُلزم بإعادة الرئيس مادورو وزوجته سالمين إلى أراضيهم، مع الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية، وإعادة السيادة الكاملة لفنزويلا أمام المجتمع الدولي. لم يكن الهدف مجرد إعادة السيادة وحدها، وإن كان ذلك مهما، بل إرساء مبدأ الشرعية الدولية، وضمان عدم تكرار مثل هذه الأعمال العدوانية في العلاقات الدولية، فحين يعلو صوت القانون الدولي، يشعر الجميع بالأمان ويهدأ التوتر الدولي. لكن الآن، ما مصير مادورو وزوجته؟ وما مصير سيادة فنزويلا بعد هذا التدخل الصارخ في شؤونها الداخلية؟
لقد شهد المجتمع الدولي سابقات مماثلة، حين تدخلت قوى خارجية في دول أخرى لإزاحة أنظمة اعتُبرت «ديكتاتورية» وفرض ما سمّتها «الديمقراطية»، فكان حصادها في الواقع الخراب والفوضى. التجربة أثبتت أن الديمقراطية لا تُفرض بالقوة ولا تُصدَّر على فوهات البنادق؛ فهي تُصنع ويختارها الشعب بنفسه. وأي فرض خارجي، حتى لو جاء بحجج نبيلة، غالبا ما يؤدي إلى نتائج عكسية. إن الاعتداء على سيادة فنزويلا ليس مجرد خرق للقانون الدولي، بل هو زلزال يهدد الأسس التي يقوم عليها النظام العالمي. فنزويلا اليوم تقف أمام امتحان الشرعية الدولية، وأمام الجميع خيار واحد: احترام القانون، وإلا فإن صوت العدوان سيظل يعلو ويكرر نفسه، على حساب سيادة الشعوب وأمنها. وأظن، بعد هذه الفوضى الدولية، التي تزامنت مع صمت المؤسسات الأممية عن اتخاذ قرارات ملزمة فورية وحاسمة، أن الطريق ما زال طويلا أمامها كي تتحول من منابر خطاب ونصوص نظرية إلى سلطة تنفيذية حقيقية تُفرض أحكامها على الجميع بالقدر نفسه، دون تمييز بين قوي وضعيف.
العدل ليس رفاهية تُمنح للأمم المتقدمة، ولا امتيازا يُتفضَّل به، بل هو أساس الحياة وعماد بناء المجتمعات. فإذا غابت العدالة والمساواة، ولم توجد جهة تُعيد للنصاب توازنه، تحوّلنا إلى غابةٍ مفتوحة، لا يعلم فيها أحد متى يأتيه الدور.
كاتبة مصرية
العساف: تقنيات الذكاء الاصطناعي لتنظيم المرور ويعلن خطة رمضان
منخفض جوي يضرب سوريا ولبنان الأربعاء .. أمطار غزيرة وثلوج على الجبال
سوريا: مخيم الهول… مؤقّت بلا نهاية
اختطاف مادورو بين السياسة والقانون
30 وجبة إفطار مختلفة لمائدة إفطار رمضان
أشهى وصفات الكوسا في رمضان والمناسبات
الشرطة الأميركية: القبض على شاب ركض نحو مبنى الكونغرس حاملا بندقية
الفاتيكان لن يشارك في مجلس السلام برئاسة ترامب
لماذا يُنصح بالإفطار على التمر .. خبراء يوضحون السر
المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا و البحث العلمي… عقدٌ جديد يكتب مستقبل الأردن
صرف راتبين إضافيين سنوياً… خطوة إنقاذ للاقتصاد وإغاثة للمواطن
بينها عربية .. دول تعلن الخميس غرة شهر رمضان
وظائف ومدعوون للامتحان التنافسي والمقابلات .. أسماء
صرف الرواتب مبكراً في هذا الموعد .. لدعم الأسر الأردنية قبيل رمضان
أول سيارة كهربائية من فيراري بلمسة تصميم آبل
الطوباسي يؤدي اليمين الدستورية عضوا في مجلس النواب خلفا للجراح الاثنين
أسعار الذهب تهوي محليًا .. وعيار 21 دون المائة دينار
الزراعة النيابية تناقش استيراد الحليب المجفف وتصدير الخراف ومشاريع الحراج
التعليم العالي: تحديد دوام الطلبة في رمضان من صلاحيات الجامعات
عدم تمديد مواعيد القبول الموحد للدورة التكميلية 2025-2026
المستقلة للانتخاب تبلغ مجلس النواب بعضوية حمزة الطوباسي رسميا
رابط تقديم طلبات الالتحاق بكليات المجتمع للدورة التكميلية
القاضي: تعزيز العمل الحزبي البرلماني هدف آمن
