في أدق مراحل النضال الفلسطيني

في أدق مراحل النضال الفلسطيني

18-02-2026 12:43 AM

يعيش الفلسطينيون هذه الأيام مرحلة هي الأصعب في مسيرتهم النضالية. معركة ترتبط بوجودهم وبقائهم وهويتهم، خاصة أمام مدّ احتلالي جارف يستهدف اقتلاعهم من أرضهم وطردهم إلى منافي العالم.
قباحة المرحلة من حيث أدواتها، تشابه مراحل نضالية أخرى في تاريخ الشعوب، حين تتكرر الظروف، وتعود التحديات ذاتها بأشكال مختلفة، وبصورة توازي ملامح مرحلة سابقة، بكل ما حملته من صلابة وإرادة وصراع مفتوح على الاحتمالات كافة. فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يعيد طرح الأسئلة ذاتها: كيف نحمي الهوية؟ كيف نصون الأرض؟ وكيف نُبقي الأمل حيّاً رغم قسوة الواقع؟
تُظهر التجارب الوطنية، أن أشد المراحل صعوبة كانت دائماً تلك التي امتزج فيها الضغط الخارجي بمحاولات الإضعاف الداخلي. ففي محطات سابقة من مسيرتنا الوطنية، واجه الفلسطينيون محاولات العزل السياسي والتجفيف الاقتصادي والتشكيك بالرواية والحقوق. واليوم، نرى ملامح مشابهة تعود من جديد، حيث تتكثف الضغوط، وتتسارع محاولات فرض الوقائع على الأرض، مقابل حالة من التحدي الشعبي والتمسك بالثوابت. تعكس المرحلة الحالية روحاً نضالية تشبه تلك التي سادت في فترات الانتفاضة الشعبية، حين تحولت الإرادة الجماعية، إلى قوة قادرة على تجاوز موازين القوى التقليدية، فالمجتمع الفلسطيني، كما كان دائماً، لا يستند فقط إلى أدوات السياسة، أو العمل الدبلوماسي فحسب، بل يعتمد أيضاً على قوة الوعي الجمعي والإيمان بعدالة القضية، وهذا ما يجعل كل محاولة لكسر إرادته تصطدم بحقيقة راسخة مفادها، أن الشعب الذي صمد لعقود لن يتخلى عن حقه مهما اشتدت التحديات.

تكشف هذه المرحلة أيضاً عن أهمية الوحدة الوطنية باعتبارها الركيزة الأساسية لأي مشروع تحرري، ففي التجارب السابقة، كان التماسك الداخلي عاملاً حاسماً في مواجهة محاولات التفكيك والإضعاف واليوم، تبدو الحاجة إلى استعادة هذا التماسك أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لأن الصراع لم يعد فقط على الأرض، بل على الهوية والبقاء والوعي والرواية، في تحدٍ واضح لقدر الفلسطيني على الاستمرار. وتُبرز المرحلة الراهنة كذلك بُعداً جديداً للنضال، يتمثل بالإعلام والتكنولوجيا الحديثة والذكاء. ففي الماضي، كان نقل الرواية يعتمد على الوسائل التقليدية، أما اليوم فقد أصبح الفضاء الرقمي ساحة مواجهة حقيقية، تُخاض فيها معركة الصورة والمعلومة والتأثير العالمي، هذا التحول إنما يفرض على الفلسطينيين تطوير أدواتهم النضالية بما يتلاءم مع العصر، من دون أن يفقدوا جوهر رسالتهم القائمة على الحق والعدالة.
وتؤكد التجارب السابقة أن النضال ليس مجرد رد فعل على واقع مفروض، بل هو مشروع مستمر لتوجيه المستقبل، فالمرحلة التي نعيشها اليوم، رغم قسوتها، تحمل في طياتها فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وتعزيز الصمود وتطوير أدوات العمل الوطني، وقد أثبت الفلسطينيون عبر تاريخهم أن قدرتهم على تحويل المحن إلى قوة دافعة كانت دائماً سر بقائهم واستمرار قضيتهم حية في الضمير الإنساني.
تُعيد هذه المرحلة إلى الأذهان حقيقة جوهرية مفادها، أن النضال الفلسطيني ليس حدثاً عابراً، بل مسار تاريخي طويل تتوارثه الأجيال. وبين الماضي والحاضر خيط متصل من الإرادة والصمود، ليؤكد أن الشعب الذي نجح في اجتياز أشد المراحل صعوبة قادر على مواجهة تحديات اليوم، والاستمرار في مسيرته نحو الحرية والاستقلال. وعليه فإن ترابط المجتمع الفلسطيني وتماسكه ووحدة حاله، تشكل في مجموعها فرصة أصيلة لتحييد الخلافات وإنهاء التّنمر الداخلي والانتصار لذاتتا.
كثير من الناس يعولون بطبيعة الحال على الفصائل، باعتبارها العناوين الأولى التي تتحمل مسؤولية المواجهة، وتتحمل مسؤولية المواقف السياسية التي يجب أن تأخذها. إن الوقت قد فات على تسجيل النقاط، وعلى تنمرنا السياسي على بعضنا بعضا، فما يجري يمس بقاءنا ووجودنا وهويتنا بغض النظر عن مشاربنا السياسية.
نحن نحاسب بعضنا على انتماءاتنا السياسية، وإسرائيل تحاسبنا على هويتنا، ونفرز بعضنا بعضا وفق انتماءاتنا الجهوية، بينما إسرائيل تحاسبنا مرة أخرى على هويتنا. إذن نحن في مرمى النيران في إطار الهوية. وعليه فإن مشروع الإجهاز الإسرائيلي على الهوية يعني أن الكل الفلسطيني، مسيحيا، مسلما، امرأة، رجلا، فتحاويا، جبهاويا، كل يقف في مرمى النار، لذلك أولى فأولى أن نعيد النظر في التركيز على الهوية، وعلى حمايتها، وعلى تحمل مسؤولية الثبات المطلوب، ليس فقط على مستوى فصائلنا الفلسطينية، وإنما أيضا على مستوى المجتمع المدني الفلسطيني الذي توارى بعض أركانه عن الأنظار.
التماسك الداخلي يستوجب ترابط الجميع بمن فيهم القطاع الخاص الفلسطيني والمؤسسات الأكاديمية، والبيت الفلسطيني برمته لما يواجهه من تهديد وجودي سافر. نحتاج اليوم إلى حالة نهضوية غير مسبوقة تقوم على أرضية حماية الهوية قبل التفكير بأي زوايا أخرى في حياتنا، فهل نتعاون في ترتيب أمورنا؟ ننتظر ونرى.
ملاحظة: تم الاستعانة ببعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي في بعض زوايا هذا المقال.

ملاحظة: تم الاستعانة ببعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي في بعض زوايا هذا المقال.

s.saidam@gmail.com

كاتب فلسطيني



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

صرف راتبين إضافيين سنوياً… خطوة إنقاذ للاقتصاد وإغاثة للمواطن

بينها عربية .. دول تعلن الخميس غرة شهر رمضان

وظائف ومدعوون للامتحان التنافسي والمقابلات .. أسماء

صرف الرواتب مبكراً في هذا الموعد .. لدعم الأسر الأردنية قبيل رمضان

أول سيارة كهربائية من فيراري بلمسة تصميم آبل

الطوباسي يؤدي اليمين الدستورية عضوا في مجلس النواب خلفا للجراح الاثنين

أسعار الذهب تهوي محليًا .. وعيار 21 دون المائة دينار

الزراعة النيابية تناقش استيراد الحليب المجفف وتصدير الخراف ومشاريع الحراج

التعليم العالي: تحديد دوام الطلبة في رمضان من صلاحيات الجامعات

عدم تمديد مواعيد القبول الموحد للدورة التكميلية 2025-2026

المستقلة للانتخاب تبلغ مجلس النواب بعضوية حمزة الطوباسي رسميا

رابط تقديم طلبات الالتحاق بكليات المجتمع للدورة التكميلية

القاضي: تعزيز العمل الحزبي البرلماني هدف آمن

الفيروس التنفسي المخلوي .. المخاطر والمضاعفات

إليسا تغنّي تتر مسلسل على قد الحب الرمضاني