تركيا في النظام العالمي الجديد

تركيا في النظام العالمي الجديد

19-02-2026 08:08 AM

إنّ تقديم رئيس جهاز الاستخبارات التركي (MİT) الدكتور إبراهيم قالن، لتقرير «أنشطة جهاز الاستخبارات الوطني لعام 2025»، لا يحمل طابع المقدمة البيروقراطية التقليدية، بل يتجاوزها ليغدو نصا استراتيجيا بامتياز. فهو لا يقتصر على تأطير أعمال مؤسسة خلال عام واحد، بل يعكس في الوقت ذاته كيف ترى تركيا موقعها ضمن توازنات القوة العالمية المتغيّرة، وبأيّ نماذج تُحدّث إدراكها للتهديدات، وكيف تسعى إلى بناء هندسة استخباراتية جديدة في ظل النظام العالمي الناشئ.
أوّل ما يلفت الانتباه في نصّ قالن، هو سعة القراءة العالمية التي يقدّمها للعام الماضي. يتم تعريف عام 2025 بوصفه مرحلة «تآكل المعايير العالمية»، و»تراجع قدرة النظام الدولي على حلّ الأزمات»، و»احتدام المنافسة الجيو-اقتصادية»، و»تضاعف المخاطر التكنولوجية». وهذا الوصف ليس مجرد تشخيص دبلوماسي، بل هو خلاصة لنظرية أمنية جديدة للعصر الراهن؛ إذ لم تعد قواعد النظام الدولي تُبنى على المسؤوليات القانونية للدول، بقدر ما تتشكّل وفق علاقات القوة، ولم تعد الأزمات تُدار بالدبلوماسية وحدها، بل عبر التكنولوجيا، والدعاية، والاقتصاد، وحروب الوكالة في إطار عمليات هجينة معقّدة. وفي هذا السياق، يتّضح أن إدراك تركيا للتهديد قد انتقل من مفهوم الأمن العسكري الكلاسيكي إلى نموذج أمن هجين متعدد الطبقات.

أما مفهوم «التوازن والتحصين» الذي يتوسّط النص، فيبرز بوصفه العقيدة المحورية، التي تحدّد مقاربة تركيا الاستراتيجية في عام 2025، سواء في السياسة الخارجية، أو في الأمن الداخلي. فـ»التوازن» لا يعني مجرد الحياد، بل هو مسعى لفتح هامش مناورة لتركيا في زمن تتّسع فيه الحروب، وتزداد فيه حدة الكتل الدبلوماسية، وتتحوّل فيه ممرّات الطاقة إلى ساحات صراع. إنّه نهج يهدف إلى ضمان البقاء بفعالية على طاولة المفاوضات، من دون الانجرار إلى الاصطفافات، وإلى القدرة على لعب دور الوسيط عند الحاجة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على صفة القوة الإقليمية. فالتوازن هنا يعني أن تكون تركيا فاعلا مُوجِّها لإدارة الأزمات لا مجرّد مراقب لها.
أمّا «التحصين» فيشير أساسا إلى تعزيز البنية الأمنية في الداخل وخنق التهديدات الخارجية عند خطوط الحدود، وهنا يبرز تقديم مسار «تركيا بلا إرهاب» ليس بوصفه نجاحا عملياتيا فحسب، بل بوصفه مكسبا على مستوى الاستراتيجية الوطنية. فالقضاء على الإرهاب ليس مجرد مسألة استقرار داخلي، بل هو رافعة تُنمّي قدرة الدولة، وتوسّع مجال حركتها في السياسة الخارجية، وتعزّز قوّتها التفاوضية الدبلوماسية. وفي هذا الإطار، يتحوّل دور جهاز الاستخبارات التركي من مؤسسة أمنية تنفيذية إلى عنصر فاعل في التخطيط الاستراتيجي للدولة. ومن أبرز المفاهيم التي يسلط عليها قالن الضوء أيضا مفهوم «دبلوماسية الاستخبارات». فهذا المصطلح يدلّ على أن تركيا لم تعد ترى جهاز استخباراتها كهيئة تجمع المعلومات وتحلّلها وتنفّذ العمليات فقط، بل كفاعل مباشر على طاولات التفاوض الدولية، ويشير ذلك إلى أنّ التحوّل الذي عرفته السياسة الخارجية التركية، ما بعد عام 2010 اتّخذ الآن إطارا مؤسسيا واضحا. فدبلوماسية الاستخبارات تعبّر عن إدراك بأن العلاقات الدولية في عصرنا لا تُدار عبر السفارات وحدها، بل أيضا عبر أجهزة الأمن، وهو ما حوّلته تركيا إلى أداة استراتيجية تعزّز قدرتها على نقل القوة من الميدان إلى طاولة التفاوض.
أما التركيز على التحوّل التكنولوجي، فهو يكشف عن البعد الاستراتيجي الأعمق في التقرير. فمع الحفاظ على ثقافة الاستخبارات البشرية (HUMINT)، يتّضح أنّ هناك انتقالا نحو منظومة استخبارات تقنية متعددة الطبقات. الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والأنظمة الذاتية، والأمن السيبراني باتت تعيد تعريف أجهزة الاستخبارات الحديثة، وفي هذا السياق، فإنّ طموح جهاز الاستخبارات التركي إلى «الانتقال إلى موقع مختلف بين الأجهزة النظيرة»، يشكّل تحدّيا تنافسيا مباشرا. فهو يعبّر عن رغبة في بناء قدرة دولة لا تكتفي باستهلاك التكنولوجيا، بل تنتجها وتدمجها في عقيدتها الأمنية. كما تكشف التقييمات العالمية الواردة في التقرير، أنّ منظور الاستخبارات التركية لم يعد محصورا في الجوار الإقليمي. والإشارة إلى تحوّل ديناميات حرب روسيا وأوكرانيا نحو سيناريوهات الردع النووي والأسلحة الذاتية، وإلى اكتساب التنافس الأمريكي ـ الصيني طابع حرب باردة جديدة، وإلى توصيف افريقيا كساحة «شطرنج جيولوجي» للقوى الكبرى، كلّها تدلّ على أنّ تركيا باتت تقرأ العالم بوصفه نظاما عالميا متشابكا لا مجرد محيط إقليمي. وبهذا المعنى، فإنّ رؤية جهاز الاستخبارات التركي تتموضع داخل مساحات الصراع الناتجة مباشرة عن تنافس القوى الكبرى، لا في نطاق مكافحة الإرهاب فقط.
ومن النقاط اللافتة كذلك التشديد على منع تشكّل تهديدات جديدة للأمن القومي في المناطق الحدودية. فهذا التعبير يعكس تبنّي عقيدة التدخّل الاستباقي، أي التعامل مع الخطر قبل أن يتبلور. فالأمن لم يعد يعني مجرّد صدّ الهجوم بعد وقوعه، بل تفكيك التهديد في طور التكوّن. وهذا يتوافق مع طبيعة الاستخبارات الحديثة، حيث قد يظهر الخطر اليوم عبر تسرّب بيانات، أو حملة تضليل، أو تخريب مالي، أو تنظيم وكلاء، لا عبر جيوش تتقدّم نحو الحدود. وعند النظر إلى الإطار العام لنصّ التقديم، تتبلور خمسة محاور أساسية في تموضع تركيا الاستخباراتي: الانخراط النشيط في الشرق الأوسط والبلقان وافريقيا؛ الدبلوماسية متعدّدة الأبعاد في المنافسة بين الغرب وروسيا والصين؛ عقيدة التدخّل قبل تشكّل التهديد؛ التحديث المرتكز على الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة؛ والتكامل بين الميدان وطاولة المفاوضات. ويعكس هذا الإطار سعي تركيا إلى التحوّل من «دولة ذات دفاع تفاعلي» إلى «قوّة مركزية صانعة للتوازن».
وخلاصة القول، إنّ المقدّمة التي كتبها الدكتور إبراهيم قالن لتقرير أنشطة جهاز الاستخبارات التركي لعام 2025 تكشف أنّ تركيا تنظر إلى جهازها الاستخباراتي، في زمن هشاشة النظام العالمي، لا بوصفه أداة لإحباط التهديدات فحسب، بل باعتباره وسيلة لإنتاج الموقع الجيوسياسي. فإحباط أنشطة التجسّس، وكشف شبكات العملاء، ومكافحة التضليل، وتعزيز القدرات الاستخباراتية التقنية، تُقدّم لا كنجاحات أمنية فقط، بل كخطوات استراتيجية ترفع منسوب الردع، وتوسّع مجال النفوذ الإقليمي، وتحوّل تركيا إلى فاعل أقوى في النظام العالمي الجديد. وهذا النص هو بمثابة بيان أمني يعبّر على المستوى المؤسسي عن طموح تركيا في عام 2025 إلى أن تكون ليس مجرد دولة تكتفي بردّ الفعل على الأحداث، بل قوة مركزية تدير الأزمات وتُقيم التوازنات.

كاتب تركي



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد