للذين ينتظرون العدالة والتقارير الدولية
بشار الأسد قتل أكثر من مليون سوري، واعتقل مئات الآلاف، وهجّر الملايين، ودمر ثلاثة أرباع سوريا، واستخدم الكيماوي ضد الأطفال. أين هو الآن؟ في قصوره وشققه الفخمة يستمتع بمئات المليارات التي نهبها من سوريا والسوريين، بينما ملايين السوريين يعيشون اليوم فيما يشبه الجحيم. فقر، قهر، جوع، معاناة، مرض، موت بطيء. من يتذكر بشار؟ من يلاحقه؟ ثم يأتيك مغفل ليتحدث عن العدالة. أية عدالة يا روح أمك؟ العدالة الدولية؟ تنتظرون التقارير الدولية عن هذه الحادثة أو تلك المجزرة؟ يا الله كم أنتم مساكين ومغفلون. “ما بتروح غير عالمعترين” الذين ينتظرون العدالة في العالم الآخر.
في طفولتنا تعلمنا شيئاً مريحاً: أن الخير ينتصر في النهاية.
أن الظالم يُعاقب. أن التاريخ ينصف المظلومين. كانت هذه الفكرة ضرورية لننام ليلاً. لكنها كانت دائماً فكرة تربوية… لا حقيقة سياسية. العالم لا يعمل بهذه الطريقة. العالم يعمل بطريقة أبسط بكثير: القوة تنتج الحقيقة، لا الحقيقة تنتج القوة. ولهذا، كلما رأيت شخصاً ينتظر العدالة الدولية، أعرف أنه لم يقرأ التاريخ، بل قرأ القصص.
وكما يبدو فإن البشرية اخترعت شيئاً عبقرياً لتتحمل نفسها: فكرة العدالة المؤجلة. ليست عدالة حقيقية، بل موعد غامض، دائماً لاحق، دائماً “قريباً” دائماً بعد التقرير القادم، بعد اللجنة القادمة، بعد الإدانة الأشد لهجة منذ الإدانة الأشد لهجة السابقة. وعد طويل الأمد مثل اشتراك مجاني في الوهم.
الناس الذين خسروا بيوتهم وأبناءهم لا يريدون فلسفة، يريدون خاتمة. يريدون أن يقال لهم إن ما حدث لم يكن مجرد خبر قديم في أرشيف، بل جريمة لها نهاية أخلاقية. لكن العالم، بكل بروده، لا يفهم هذا النوع من الجمل. العالم يفهم شيئاً واحداً: التوازن. إن لم يختل، لا يحدث شيء. يمكن أن تمتلئ الأرض بالعظام، لكن طالما المعادلة مستقرة فالأمر يُسمى “ملفاً معقداً”.
خذ الكوميديا السوداء الكاملة: صور، فيديوهات، شهادات، تقارير أممية، توثيق كيماوي، أرشيفات كاملة، تحقيقات، لجان تقصي حقائق، ومجلدات لو سقطت من رف مكتبة لكسرت قدم موظف الأمم المتحدة… ومع ذلك النتيجة أقرب إلى نشرة طقس: قلق عميق مع احتمال أمطار بيانات.
المشكلة ليست في نقص الأدلة، بل في فائض البرودة. العدالة الدولية لا تحتاج إثبات الجريمة، تحتاج إذناً سياسياً. والقتل، للأسف، ليس حدثاً قانونياً بل حدثاً تفاوضياً. عندما يكون القاتل جزءاً من توازن إقليمي، يتحول من “مجرم” إلى “عامل استقرار مزعج لكنه ضروري”. عبارة مهذبة تعني: لا أحد يريد فتح هذا الملف الآن.
الناس تعتقد أن القانون يقود السياسة. الحقيقة العكس تماماً: السياسة تسحب القانون من أذنه كموظف صغير. إذا احتاجته ظهر، وإذا أزعجها اختفى في أدراج الأرشيف إلى أن يتغير الطقس الدولي.
العدالة في عالمنا ليست عمياء… بل قصيرة النظر. ترى القريب: المصالح، الحدود، الطاقة، اللاجئين، الاتفاقات. أما القبور البعيدة فهي مادة خطاب فقط. لذلك تسمع الدبلوماسي يتحدث عن “المضي قدماً”، وهي العبارة الرسمية لقول: دعونا نتظاهر أن الماضي لم يحدث.
المفارقة المضحكة المبكية أن الضحايا يدرسون القانون الدولي أكثر من الدول التي كتبته. يقرأون عن المحكمة الجنائية، الولاية القضائية، جرائم ضد الإنسانية، بينما في الجهة الأخرى يُقرأ جدول الغاز وخريطة التحالفات. مواجهة غير عادلة: الألم مقابل الجغرافيا.
الإنسان العادي يتخيل أن حجم الجريمة هو الذي يستدعي العقاب. لكن التاريخ يثبت العكس: حجم الهزيمة هو الذي يستدعي العقاب. نورمبرغ لم تكن صحوة ضمير، كانت نتيجة سقوط. لو انتصر المهزوم لكتب هو التقارير وأدان المنتصر أخلاقياً.
لهذا يبدو المشهد قاسياً: أم تحتفظ بمفتاح بيت لم يعد موجوداً، بينما خبير سياسي يناقش “إعادة الاندماج الإقليمي”. الناجي يروي التعذيب، والخبير يرد بمصطلح “البراغماتية”. كلمتان تقتل إحداهما الأخرى، لكن الثانية هي التي تُطبع في البيان الرسمي. ثم يأتي الأمل العظيم: التقرير القادم. دائماً التقرير القادم. البشرية تحب التقارير لأنها تعطي الإحساس بأن شيئاً يتحرك دون أن يتحرك شيء فعلاً. أرشفة الألم تمنح راحة أخلاقية رخيصة: لقد وثقنا إذن نحن أبرياء. هكذا يتحول الواجب إلى إجراء إداري.أقسى ما في الأمر ليس أن الظلم بلا عقاب، بل أن العالم قادر على التعايش معه تماماً. بعد سنوات يصبح خبراً قديماً، ثم فقرة تاريخية، ثم سؤالاً في امتحان. الضحايا وحدهم يعيشون في الحاضر، أما الكوكب فانتقل منذ زمن إلى الصفحة التالية.
وهنا تأتي الضحكة المرة: ليس لأن العدالة غير موجودة، بل لأنها تأتي فقط عندما لا تعود مهمة. عندما تتغير المصالح، يعاد فتح الملف نفسه، بنفس الصور، بنفس الشهادات، لكن بعنوان جديد: “آن الأوان للمحاسبة”. كأن الجريمة نضجت أخيراً بعد انتظار.
العدالة إذن ليست غائبة… بل مؤجلة حتى تفقد معناها الفوري. تأتي عندما لا يعود إنقاذ أحد ممكناً، فقط لترتيب ذاكرة العالم. تنظيف أخلاقي بعد انتهاء الحاجة العملية. محكمة للماضي لا للحاضر.
لذلك حين يسخر شخص من انتظار العدالة فهو لا يحتقر الضحية، بل يحتقر الفكرة التي بيعت له: أن الأخلاق تحكم النظام الدولي. الحقيقة أبرد بكثير. النظام الدولي لا يحكمه الخير والشر، بل الكلفة والفائدة. وإذا كانت الجريمة رخيصة سياسياً، فهي تمر. وإذا أصبحت مكلفة فجأة، تُسمى فجأة جريمة كبرى.
بهذا المعنى، العدالة ليست وعداً… بل نتيجة جانبية لصراع أكبر. لا تأتي لأن الأطفال أبرياء، بل لأن توازنات تغيرت. لا تأتي لأن العالم تألم، بل لأن الحسابات تغيرت. ولهذا يبدو كل شيء مهيناً: الضحية تنتظر القاضي، والقاضي ينتظر القرار السياسي، والقرار السياسي ينتظر المصلحة، والمصلحة لا تنتظر أحداً. وفي النهاية يُكتب في الكتب: انتصرت العدالة.
جملة قصيرة جداً… فوق مقابر طويلة جداً.
٭ كاتب واعلامي سوري
تواصل فعاليات أماسي رمضان في جرش
زيادة في عدد العاملين بالقطاع السياحي العام الماضي
التحرش في برنامج مقالب رامز يثير الضجة
انهيار الثقة بالضمان الاجتماعي يهدد استدامته
إدارة ترامب تدرس السماح بتخصيب نووي رمزي لإيران
كيفية تداول الذهب: دليل شامل للمتداولين
إجلاء مئات الجنود الأمريكيين من قطر والبحرين .. ماذا يحدث
جدل حول إدخال الإعلانات إلى شات جي بي تي ومخاوف من انتهاك الخصوصية
30 وجبة إفطار مختلفة لمائدة إفطار رمضان
خطوبة سيدرا بيوتي ورامي حمدان تتصدر الترند بمليون إعجاب .. فيديو
وظائف ومدعوون للاختبار التنافسي ولإجراء الفحص العملي
قفزة جديدة بأسعار الذهب محلياً اليوم
دولة عربية تنفرد بإعلان غرة رمضان يوم الأربعاء
إيقاد شعلة اليرموك احتفاءً باليوبيل الذهبي .. صور
وفاة نجم فيلم العرّاب الممثل الأسطوري روبرت دوفال
أعراض قد تشير إلى مشكلات في القلب
يحق لهذا الموظف التقاعد متى شاء .. توضيح حكومي
ليلة أصالة في موسم الرياض .. ليلة مثل الحلم
نور الغندور بالشعر المنسدل فوق قمم سويسرا الثلجية .. صور
تثير ضجة .. لحظات من الدلع والإثارة تجمع هيفاء وهبي بسانت ليفانت (فيديو)


