المقعد

المقعد

20-12-2021 01:13 PM

نظر من النافذة، الغيوم تسدل ستارا داكنا يحجب الشمس، حلّقت أفكاره بعيدا إذ راودته ذكرى فتحية، تلك الفتاة المختلة عقليا عندما أتت مع والدتها لزيارتهم ذات صباح، ألقت تحيتها قائلة: مساء الخير، وعندما أخبروها أن الوقت صباح أجابت بثقة: الدنيا عتمة… والعتمة مقرونة بمساءاتنا ، هذا ما تدركه فتحية، كان يومها الجو كئيبا كحاله اليوم. أين هو من ذلك الزمن الموغل في القدم عندما كان غلاما في الخامسة عشر.
     شعر بالأسى عندما أدرك لوهلة أن فتحية مع تخلفها العقلي أفضل منه حالا اليوم… تمنى أن يكون مختلا، على الأقل لن يتأثر لضعفه، ولن يدرك أبعاد مصيبته، هو مدرس في مدرسة ثانوية أو بالأصح كان كذلك قبل أن يصبح طريح الفراش متسربلا بعجزه بعد أن أقعده المرض.
     سمع وقع خطواتها، قطب رغما عنه عندما أقبلت زوجته إليه، وساعدته كي يجلس على الكرسي المتنقل قبل أن تغادر إلى عملها حتى يتمكن من التجول في الشقة، قابلت تقطيبه بابتسامة تجاهلها، فهو يكره المجاملات والتملق… ربما كانت تبتسم بطيبة محضة، إلا أنه يرفض هذه الابتسامة، يرفضها وكفى… غادر نجلاه كذلك إلى دراستهما، حسن شاب جامعي، ومصطفى في الثانوية العامة، سمع اصطفاق الباب وجفل ، وعندما أقفل الباب بالمفتاح شعر بالنهاية، نهاية اتصاله بالعالم الخارجي، أدرك أن عالمه لا يتعدى مساحة هذه الحجرة. نعم هو يجلس على كرسي متحرك، إلا أنه لا يرى ضرورة لمغادرة موقعه، زجاجة ماء ترقد عن يمينه على منضدة صغيرة ، إلى جانبها هاتفه النقال الذي يذكره بعجزه، حيث أهداه له حسن لسهولة التحكم به والوصول إليه بالمقارنة مع الهاتف الأرضي، أقنعه اللعين أن يقتنيه، هو أسهل من غير شك، لكنه يكرهه لسهولته، يكرهه لأنه يذكره بقلة حيلته، بضئالته، بلا أهميته،باستثناءات شتى تهمشه وتقزمه ، هو يذكر جيدا كيف سقط من يده ذات يوم، حينها تبسم، وشعر بالسرور لأنه أصبح بعيد المنال كالهاتف الأرضي تماما، شعر بالتفوق عليه وهو ملقى على الأرض بإهمال ، لم يحفل برنينه ، صم أذنيه، كان منشرحا . قال له حسن: هو أداة طيعة،إعتبره المارد وأنت السيد المطاع، ليكن كما تريد يا حسن… تناول الهاتف ونقر رقم أحد أصدقائه، مدرس قديم، رد الصديق: سأتصل بك لاحقا، أنا الآن في حصة… تأفف وبرطم، ثم أقفل الخط بغلظة ، وقذف الهاتف بعنف على الأرض، تحطم… ضحك بفجور وتشف وغل، لقد حطمه وانتصر عليه لأنه لم يلب الطلب، انتقم من المارد وقتله، سيان كان سبب الصد الذي قوبل به، إلا أن المارد أخفق وجزاؤه الموت. قطب فجأة عندما أدرك أن انتصاره وهمي، لا قيمة له، فكر ماذا سيقول عنه الصديق؟ لقد أنهى المكالمة معه بجلافة ، ايه… ليته يشتمه، أو على الأقل يعبر عن استيائه، ولكن هيهات… إنه سيعذره من غير شك، وعندما يعذره تكون الطامة الكبرى، هو يكره أن يُدارى، هذه المداراة التي تشعره بتفاهته.
 هو مشلول، هذه حقيقة دامغة لا محيد عنها، لكن عندما تُشل الإرادة يقفز الموت متأهبا… وهو لا يريد أن يموت الآن، ولكنه يشهد موته وهو على قيد الحياة، صعب على الإنسان أن يكون ميتا ويتنفس، إما الموت وإما الحياة، أما أن يعيش على هامش الحياة ، هذا. العذاب بعينه، وهم بمداراتهم يعذبونه، يدفعونه إلى حافة اللاحياة واللاموت ، كيف يقنعهم أن يعاملوه معاملة الإنسان السوي، فكّر… ولكني بتصرفي هذا لم أكن سويا… كنت جلفا، فظا، مسيئا، تنهد بأسى… أنا على يقين أنه سيتسامح معي، صرخ: كلهم هكذا منافقون، أفاقون ، يتصنعون الرأفة وقلوبهم قُدت من الصخر، همس: لا… أنا أبالغ، أكذب، أتجنى … الطيبة موجودة في قلوب الكثيرين ولكني أرى الوجه الآخر للحقيقة، هذا الوجه لا يراه إلا إنسان ناقص أو عبقري، ولا أظنني عبقريا، نعم أنا ناقص بدليل هذا المقعد الذي يضمني، فكّر … لست ناقصا، أنا فقط مقعد، لكن فكري حر طليق، لينطلق كما يحلو له، وفي نهاية المطاف سيعود إلي ليلتحم بي، إذن أنا أقيده، أنا المتسمر على هذا المقعد لا أسمح له أن ينطلق بعيدا، فهو أسيري، أنا ببساطة أحجمه أخنقه، أغتاله، أنا لا أبرح حجرتي، بإرادتي لا أفعل هذا، وما يمنعني غير ضعف إرادتي التي أدعيها، وكآبتي كذلك تمنعني… لا… لا… لست كئيبا بدليل أني سأبرح هذا المكان ، ويصرخ بعصبية : نعم سأبرحه. أخذ يقود. مقعده بتوتر ، كانت قيادته سريعة نوعا ما مما جعله يتعثر بقطع الأثاث، انقلب المقعد في غرفة المعيشة، وسقط على الأرض لاهثا.
 


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الجامعات والكليات الخاصة .. بين الاستثمار التعليمي والاستقرار الوظيفي

بين دفء الظهيرة وبرودة الليل .. تحذيرات صحية من طقس هذه الأيام

ارتفاع مؤشر نازداك الأميركي

البرلمان العربي يستنكر اقتحامات الأقصى ويحذر من مخططات التقسيم

احتفال بالاستقلال .. بوتسوانا تسمح بصيد 23 فيلا

فوائد غير متوقعة: لماذا ينصح الأطباء بممارسة المشي إلى الخلف؟

حشد 100 ألف جندي .. السعودية تجهز ضربة عسكرية واسعة للحوثيين

مظاهرة حاشدة أمام البرلمان المغربي نصرة للأقصى

سقوط مقذوف حوثي على مدرسة جنوبي السعودية

مديرة نيورالينك تعلن انفصالها عن إيلون ماسك

تحذير مصري حاسم: خطوة إسرائيلية وإثيوبية تهدد البحر الأحمر والقرن الإفريقي

القضاء الأمريكي يرفض تبرئة أم خنقت أطفالها حتى الموت .. تفاصيل

ضغوط ترامب وأزمة الديزل .. هل تنقذ مخزونات أوروبا القارة من الانهيار؟

ختام منافسات الدور الثاني لبطولة خماسيات كرة القدم في إربد

"خاين وكان عندك كام سنة" .. عودة قوية لشيرين عبد الوهاب في 2026

وقائع مروعة تهز الأردن .. تفاصيل تقشعر لها الأبدان

متى يصل أول منخفض جوي إلى الأردن؟ أحدث الخرائط تكشف ما ينتظر المملكة

القوات المسلحة تفتح باب الانتساب والشروط للذكور .. رابط

من هو مساعد طيار فلاي دبي؟ القصة الكاملة من حادثة الطعن الى الهبوط

السوسنة تتتبع نزاع «بن العميد» في الأردن والكويت .. القصة الكاملة

مزاعم بضرب الأردن من إيران .. وطهران تنفي

وسم 2030 بلا نقاب يشعل الجدل .. ما القصة ومن أطلق الحملة

إرادة ملكية وتغييرات إدارية موسعة في التربية والضرائب .. تفاصيل

25% دفعة أولى تعني إعفاءً كاملا من الفائدة .. الضمان يعلن تفاصيل القرار الجديد

طالب يعتدي على معلم بالمنشار بعد ملاحقته إلى المسجد في الزرقاء

هآرتس: وثيقة إسرائيلية تصنف مصر والأردن "عدوتان"

الأردنيون أمام تسعيرة جديدة للذهب .. كم بلغ عيار 21

أسعار المحروقات في الأردن .. رفع محتمل بعد ارتفاع الكلف عالميا

السعودية تكشف تفاصيل جديدة عن حادثة فلاي دبي .. ماذا حدث لمساعد الطيار؟

تحذير للأردنيين .. غرامة تصل لـ3 آلاف دينار وإغلاق المنشأة لمرتكب هذه المخالفة