الحكم الظالم

mainThumb

12-06-2022 10:55 PM

وبأمر من المحكمة العليا تحرّك رتل من سيارات الشرطة على الفور مخترقا شوارع العاصمة المكتظّة .. يكاد نفيرها يصمّ الآذان ، ملقيا الرعب في قلوب كلّ من قدّر له وكان على مقربة .. وكانت مكبّرات الصوت تأمر السيارات التي كانت تسير في الطريق حيتذاك بالتوقّف ونشطت الإتصالات فيما بين رجال الشرطة وبين قائد العملية في غرفة العمليات كما نشطت كذلك بين قائد العملية والقيادة العليا .. وما هي إلاّ دقائق وكما يحدث في أفلام الأكشن أحاطت سيارات الشرطة البريطانية بمنزل المجرم بعد أن احتلّت الشارع وأغلقت منافذه وفي هذه الأثناء لم يتبقّ مارّ في الشارع ولا ساكن في الحيّ إلاّ وقد ساقه الفضول إلى معرفة ما سيجري وبرغم نداءات الشرطة بإخلاء المنطقة إلاّ أن الناس رفضوا كما لو كانوا يريدون أن يشاهدوا المجرم وقد تمّ إلقاء القبض عليه غير آبهين لما يمكن أن يتعرّضوا له من الطلقات النارية سواء من تلك التي سيطلقها المجرم أم من تلك التي سيطلقها رجال البوليس .. 
صحيح بأن الأمر لا يعنيهم ولكنهم فكّروا بأن هذه ربّما تكون مناسبة سعيدة ليتحدّثوا مع بعضهم البعض لأنه وعلى ذمّة من يذهبون إلى تلك البلاد يقولون بأن الجار لا يعرف جاره وحتى إذا أراد جار أن يتحدث إلى جاره فإنه يكتب له خطابا ويسلّمه إيّاه بدون أن ينبس أحدهما ببنت شفه ... ولسوء حظ المتجمعين أو لحسن طالعهم لم تستمر المعركة في الداخل طويلا .. دقائق معدودات فقط وكان المجرم في يد العدالة وكان هذا متوقّعا، فقد اقتحم الشقة التي كان يتمترس فيها المحرم الآبق ثلاثة ضباط وثلاثة سائقين وتسعة من رجال الشرطة الأشدّاء وكانوا جميعهم مسلّحين بالرشاشات والمسدّسات والهراوات وكانوا يرتدون أيضا السترات الواقية من الرصاص ، ويعتمرون الخوذ كما لو كانوا في سبيلهم لخوض معركة لا أقسى منها ولا أمرّ..
وهم يخرجون من المبنى أخذ المارّة والمطلّون من الشرفات يتساءلون : ولكن أين المجرم ؟ وبالكاد لفت انتباههم أحد سكان المبنى وهو يصرخ : ولكن هذا حكم ظالم .. إذ كيف تسجنون ديكي وهو لا حول له ولا قوّة وكيف تبعدونه عن دجاجته بهذا الأسلوب القاسي أمام عينيها .. أسجنوها معه على الأقل لتؤنس وحدته في سجنه ...وحين أفاق المتفرجون الفضوليون من دهشتهم تركزت أعينهم على ديك حسن المنظر ، منكسر النفس ، يقبض عليه شرطيّ محكما قبضته على جناحيه ورجليه ... وما هي إلاّ دقيقة حتى غادرت سيارات الشرطة الحيّ مسرعة كما لو كانوا يخشون حدوث شيء غير متوقع ، وللحق فقد كان منظر الديك وهو مقبوض عليه مثار حزن فقد فارق زهوه بنفسه حتى أن ذيله الذهبي كان منكّسا وقد تجلّى إحساسه بالمهانة والذّل لحظة أن أدخل سيارة الشرطة ولذلك طأطأ رأسه وخبا بريق عينيه ولم يصح ولو صيحة واحدة احتجاجا على ما صار إليه حاله ...
ولكن العالمين بالحال والدارسين للغة الحيوان وسلوكه قالوا بأن الديك وهو في الطريق إلى السجن كان يترحّم على أهل العقول وعلى قضاة آخر الزمان وكان وهو في الطريق إلى المعتقل يتساءل بحيرة : هل يستحق هذا المصير لأنه كان يؤدي واجبه ويصيح عندما يبزغ الفجر وكان يتساءل أيضا بألم وحرقة هل الجار الذي اشتكاه إلى الشرطة كان يكرهه هو أم كان يكره صاحبه ؟ وقالوا وحين كان يعجز عن إجابة شافية يقول الديك : الله يعلم .. الله وحده يعلم ...