هذا الدعاء عبقري المغزى

mainThumb

24-06-2022 02:00 PM

السوسنة - لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ

 
جاء هذا الدعاء الجميل في اخر ايات سورة البقره ، وقد اهتم كثير من الحكماء والادباء والمفسرين بشرح توجهاته ، وتحدث الكثير منهم في اسباب النزول ، وتحدثوا عن طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق حيث يرجو المخلوق من خالقه ان لا يكلفه الا بما يستطيع حمله وتحمله كما وعد الله عباده بما جاء في الاية ، فيرفع المخلوق يديه للخالق ، يستميحه العذر في عبادته التي هي دليل وموجه حياته  لانه ربما يخطيء او ينسى ، اوانه قد يحمل شيئا اكثر من طاقته فيميل بما يحمل .. ويستمرفي الرجاء والطلبات الى اخر الدعاء .
 
وخلال بحثي ودراستي في موضوع هذا الدعاء وتفسيره وجدت القليل ممن تطرق الى موضوع كنه الدعاء ، او انه يدل على ماذا ، ثم ماذا يريد ويرجو المخلوق من الخالق فعلا ، وقد وضعت يدي على ما ارغب قوله ، بعدما عرفت وفهمت من مراجع اللغة العربية مدلول ومعنى ومقصود مكونات ذلك الجزء من الدعاء الذي يقول وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا .. 
اما العفو فهو مسح الموضوع من السجل تماما ، فانت حين تعفو عن شخص استدان منك مبلغ من المال مثلا فانك تنسى الموضوع كما يقولون وتمحو موضوع الدين من دفاترك تماما بل لم تعد تطالب به ، هذا يعني اننا نرجو الله ان يمسح زلاتنا من سجلنا الذي سيعرض يوم الحساب ، هذا يعني بالتاكيد انا نرغب في ان نكون في اعلى درجات الحساب وندخل جنة الخلد التي وعد الله بها عباده المخلصين ، وسيكون ذلك نتيجة لنقصان زلاتنا فستزيد حسناتنا مما يحسن من نتائجنا في الحساب النهائي.
 
واما الغفران فهو الستر الذي لا يمكن لاحد غير الله فعله ، وهذا احد دليل واضح المعالم باعتراف المخلوق بالخالق وبقدراته ، التي منها القدرة على الغفران ، فالانسان بطبعه مخلوق به حساسية شديدة ضد الانكشاف خصوصا عندما يقع في فعل سيء ، بل حتى في الافعال الحسنه فانه من صفات المخلوق الخلوق ان يستر افعاله الحسنه عند القيام بها.
 
ولما كان بالامكان ان يقول شخص لاخر اني مسامحك  او اني اعفيك من سداد دينك فقد مسحت دينك من دفتر ديوني لكنه لا يقوى ان يدعي الغفران له . اذا فان مصطلح الغفران لا يكون الا لله سبحانه تمجيدا وتعظيما واعتراف بالوهيته ، ولم يستطع احد من البشر الادعاء بانه يستطيع فعله حتى الانبياء والرسل ، ولانه كذلك فان طلب الغفران من الله هو من اعلى درجات الدعاء في ستر العيوب وتغطيتها للدرجة التي قد تؤدي الى التغاضي عنها حتى محوها من سجل الحساب والعقاب عند الحساب.
 
والرحمة هى المعاملة باللين خصوصا عند حساب الزلات والاخطاء ، فالحساب اللين لا يكون الا من محب لاحبائه ، وما الدعاء بالرحمة الا توكيد للرغبة في بيان طبيعة وشكل العلاقة بين الخالق والمخلوق ، كما ان الاسترحام لا يكون الا ممن يملك القدرة على الرحمة وهو دليل اخر على الاعتراف المطلق بموضوع صاحب الحق في الحساب والعقاب في الاخرة وانه هو الخالق الصانع.
 
اذا فان في هذا الدعاء بيان لماضيع اساسية وهي العبودية للخالق والاعتراف بيوم الحساب وبفهم طبيعة ما ستؤول اليه نتائج اعمال البشر في حياتهم الدنيا وما عليهم فعله والالتزام به ليحصلوا في النهاية على العفو والغفران والرحمة عند الحساب.