مطلوب خراف ذات لسانين

mainThumb

23-07-2022 04:46 PM

أْعْلِنَ عبر مكبرات مسجد القرية نبا وفاة" هباش" بعد مرض عضال ألّم به ، فهرع الى منزله أهل القرية كبارا وصغارا ، وحملوه على الأعناق الى المسجد حيث أقيمت عليه صلاة الجنازة بعد صلاة الظهر!
تقدم صفوف المشيعين همّاز ابن خال الفقيد ومشّاء من بني عمه!
كان همّاز في أواخر الخمسينيات من عمره عريض المنكبين رَبْع القامة لكن أعاق حركته سنام الناقة المُتَراكم فوق بطنه! أما مشّاء فكان نحيفا رشيق القوام رفيع العنق كأنه سحلية رمل قد يبتلع فخذ خروف رغم نحافة عنقه !
سار الاهل واجمين يعلو وجوههم الحزن لكن انعكس ذلك الحزن الجم على وجهي همّاز ومشّاء فكأن شلالات الحزن قد جرت وصبت في وجهيهما . وبعد ان وري الفقيد الثرى وقف رجل مسن من حمولة أخرى في القرية داعيا بأعلى صوته ذوي الفقيد وحمولته لتناول الطعام اكراما للفقيد وأهله.
الوجوم والصمت يخيمان على المشيعين لكن بدد الصمت نشيج همّاز وابن عمه مشّاء. خُيل للناس أن همّازا ومشاء هما أشد الناس حزنا ووَجْداً على فقد هباس : فما وَجَدَتْ وَجْدَهُهما أم صقب اضلته فرّجعت الحنينا! بل لم تحزن كحزنهما عجوز طاعنة في السن إذ لم يدع الموت لها من بنيها التسعة الا جنينا- دفينا تحت الجنادل واللحود.
تمايل همّاز وكاد ان يطيح أرضا فهرع اليه نفر من المعزين يسندونه لكنه اخذ يتمتم .... "اتركوني فما عاد للحياة طعم بعد يا هباش ... انظروا إكفهرت الأرض كما فعلت يوم فقد آدم ابنه, واخذ يردد :
تغيرت البلاد ومن عليها
فوجه الأرض مكفهر كئيب"
وفجأة علا نحيب وعويل مشاء تعبيرا أن حزنه أدعى من حزن همّاز!
التف الناس حولهما محاولين التخفيف من حزنهما ...
واتجه ذوي الفقيد يتقدمهم همّاز ومشّاء الى الديوان حيث اعد الطعام ... وعند اقتراب الوفد انطلق همّاز رغم عبء كرشه الثقيل مسرعا الى الديوان يتلوه مشاء. لم يتمكن المرافقون لهما من اللحاق بهما .
جلس همّاز ومشّاء في صدر المجلس ، وقدمت المناسف .
وبحكم ان همّازا ومشّاء اقرب الناس الى الفقيد وضع المنسف الأكبر امامها يعلوه راس كبش
وامتدت يدا هماز ومشاء إلى الطعام اول القوم ....
استل مشاء لسان الكبش من اصله وانهال عليه قضما و مضغا كما ينهش الذئب الجائع فريسته فذعر همّاز الذي حشا سقف حلقه بكمية ارز كبيرة يخالطها قطعة لحم لَدِنًه( شبط) صعبة المضغ
أراد التكلم فتلعثم فتشردق بالطعام واخذ يسعل فتناثر الأرز من فمه يمينا وشمالا . أخذ بعض الحضور يضربون ايديهم بين كتفيه لإخراج الطعام من فمه .
بعد ان استعاد هماّز تنفسه الطبيعي قال موجها كلامه لمّشّاء:
اما تستحي ان تمد يدك قبلي وتفوز باللسان اما سمعت قول الشاعر الشنفرى
إذا مدت الايدي الى الزاد لم أكن
بأعجلهم إذ اجشع القوم أعجل
قال مشّاء ساخرا: ما أحد أخبرني الا انت! لا تتجاوز حدك !
قال هماز بصوت اجش: يا ُولَيْد استح انا عمّك أكبر منك سناّ
أجاب مشّاء : و نعم العم يتعمد نثر الأرز من فيه فوق المنسف حتى يأنف الآخرون تناوله!
قال هماز: آخ يا حسرتي على أسنان هالط....... !
قال مشاء اسمعوا يعترف ان اسنانه اسنان ط....
تناول هماز فردة حذاء وقذف بها مشّاء ، قفز مشّاء من فوق طاولة الطعام لافا ذراعيه حول عنق هماز ... وأطاحه أرضا فاندفعت موجة هواء قويه من اسفل بطنه .... اخذ الناس يتضاحكون ... انقسم الحضور الى فريقين في شجار عنيف وهرع كبار السن من اهل القرية وحضر كبير القوم في القرية الذي اخذ يلوم الطرفين ....
ساد الصمت .... لكن ابن الفقيد وقف باكيا: موجها كلامه لمختار القرية: يا عم : يا ليت تعمم على اهل القرية أن يذبحوا خرافا ذات لسانين في مناسبات الاتراح والأفراح وان تكون الخراف بلدية لا مستوردة! وذلك تجنبا لشجارات لا يحمد عقباها !