أذنية امبراطور

mainThumb

10-08-2022 12:11 PM

عموم بلاد الشرق في قصة نكالاً لما بين يديها وموعظة للاحقين
يروي لنا التاريخ ان اسرة أذنيه تبوأت مكان الزعامة في تدمر في منتصف القرن الثالث الميلادي . وتدمر هي المدينة المشهورة في سوريا تقع على بعد 150 كم الى الشمال الشرقي من دمشق ، وكانت موقعا هاماً على الطريق التجاري بين العراق والشام.
وهناك نقوش تعود الى عام 235 م تشير الى ان أذنيه من سلالة كان لها حظوة عند الرومان حيث ورد " أذينة بن خيران بن وهب بن نصرو" وقد كان عضواً في مجلس الشيوخ الروماني. كما كان يسبق اسم اسرته لقب " سيتميوس " وكان أبوه هذا هو الذي ثبّت اركان حكم هذه العائلة على تدمر وهيمن على شؤونها ووسع تجارتها فحظي بمكانة كبيرة لدى الأهالي والرومان ايضاً.
ومع قيام الدولة الساسانية , دولة الفرس في الشرق في عام 226 بدأت اضطرابات تعم الشرق ووقعت تدمر بين نارين " نار الفرس ونار الروم ، فآثر التدمريون الانضواء تحت لواء الامبراطورية الرومانية. لكن اجتاحت جيوش " سابور" الفارسي سوريا وتمكنت من اسر الإمبراطور الروماني ( ﭭاليران) بعد هزيمة نكراء للجيوش الرومانية اذ تم اسر ستين الفاً من جيوش الرومان واستيلاء الفرس على آسيا الصغرى وشمال سوريا.
واستغل أذنية هذا النصر ووجد فيه فرصة للتشفي بالرومان الذين كان قد قتل احد قادتهم على يد أبيه " أذينة الأول" ، فأرسل الهدايا الى الفرس عارضا عليهم الصداقة كما يذكر جواد علي ( الجزء الثالث ص 93 ) أن الملك الفارسي كان يعد نفسه ملك الشرق والغرب ، فاحتقر العرض التدمري ، و أمر بإلقاء الهدايا في النهر وتوعد أذينة بسوء المصير على جرأته على مخاطبة ملك الملوك ( شاهنشاه إيران وأنيران : ملك ملوك إيران وغير إيران" رغم ان اذينة ذاك لا يعدو ان يكون شيخا لمدينة صغيرة في قفر قاحل أي صفر على الشمال.
ورب ضارة نافعة : فيأبى الخلق العربي إلا أن ينتفض ، فقد تعلم الدرس أذينة : حاول قبول الآخر ومسالمته بل الخضوع والخنوع اليه، لكن لقبول الاخر قانون : حتى يقبلك الآخر لابد أن تكون ندا له حتى ولو بصفة واحدة : أما تكون صفرا على الشمال تميل مع الريح حيث مالت وتميل مع الكفة الراجحة فان احدا لن يقيم لك وزنا. فأرسل اذينة في العرب والقبائل من حول تدمر منادين ليهبوا دفاعا عن كرامتهم، وجمع القبائل في ظاهر تدمر وشكل جيشاً تحت قيادة ابنه " هيرودوس" وكان الفرسان تحت قيادة " زيدا" أما رماة السهام والقواسّة فقد كانوا تحت امرة " زباي" . ثم لملم فلول جيوش " ﭭالريان" , وخرج في هذه الجموع الى " المدائن"، وعلى ضفاف الفرات دارت رحى معركة طاحنة وهزم الفرس هزيمة نكراء وقعت فيها نساء وحريم " سابور" سبايا في أيدي التدمريين ويروى أن أذينة طارد فلول الفرس حتى اسوار عاصمتهم اصطخر ، لكنه لم يفك اسر القائد الروماني . وبسط اذينة سيطرته على الشام وبعض أقاليم أسيا الصغرى الرومية.
الدرس : واضح للعيان : لا يفل الحديد إلا الحديد! العطر الباريسي وربطات العنق العريضة والوضعيات المختلفة امام الكاميرات سراب في صحراء قاحلة!
ودب الفرح في ديار العم " جالينو" ابن ﭭالريان فطلب من اذينة الاستمرار في الحرب حتى يحرر " ﭭالريان" ثم أنعم عليه بلقب " زعيم الشرق"(Dux Orientis ) في عام ،262 وكان ﭭالريان قد انعم عليه من قبل في عام 258 بلقب " القنصلية" وهذا جعله بمثابة نائب الإمبراطور الروماني في الشرق.
الدرس : ألقاب وأسماء براقة ينعم بها الحاكم على المحكوم : اسماء وألقاب تنفخ الأداة الى حين ....
وهزم الفرس مرة أخرى واسترد مناطق كثيرة منهم وحاصر الامبراطور الفارسي في " طيسفون" وكان على وشك الاستسلام لولا وقوع تمرد في بلاد " رومية" ضد الإمبراطور الروماني فسحب جيشه ، وقضى على التمرد وفرح " جالينو" بهذا الإنجاز فأنعم على أذينة بلقب (imperator Toutius Orientis ) - أي" امبراطور عموم بلاد المشرق". وأصبح اذينة قائدا عاما لجميع القوات الرومانية في المشرق، بيد ان اذينة لم يكتف بهذا فلقب نفسه " ملك الملوك" تقليداً لملك الفرس، كما أمر بنقش صورته بجوار صورة الإمبراطور الروماني على النقود التي غنمت من الفرس ، ومنحه مجلس الشيوخ الروماني لقب " أغسطس" وهكذا صار اذينة مساوياً لإمبراطور روما نفسها.
الدرس : الأفعال لا الأقوال و الأشعار ولا التراويد ولا الشعارات الزائفة هي التي تصنع الرجال فمن شيخ مدينة صغيرة محتقر من الفرس الى ملك ملوك نداً لملوك الفرس الى امبراطور ندا لإمبراطور روما: الأفعال هي التي جعلته كذلك لا الأشعار ولا الاغاني ولا القصائد ولا الترا ويد: لقد رحل الجواهري وخلف تسعة عشر الف بيت من الشعر فهل صدّت طلقة واحدة عن العراق! نسمع كثيرا من الأهازيج والأغاني في طول الوطن الكبير وعرضه فهل سدّت رمق جائع!


ولم ينس أذينة اهانة سابور له فاتجه في عام 265 م الى سابور وحاصر طيفسون ، ويضطر سابور ان يبدي استعدادا لعقد حلف مع أذينة ، لكن اذينة طلب فك اسر ﭭاليران فكان ذلك امرا عظيما عند الفرس فانفرط عقد المفاوضات.
الدرس : لا تفاوض إلا إذا كنت متأكدا انك نداَ لخصمك :
ويستمر الحصار لكن " القوط" يعبرون البحر الاسود منتهزين انشغال اذينة بحرب الفرس ويحاولون غزو اسيا الصغرى فانسحب اذينة بجيوشه من بلاد الفرس واتجه لطرد القوط الذين ولولوا الأدبار حال سماعهم بمقدم اذينة!
وعندما بلغ اذينة من المجد ذروته وملأ البر حتى ضاق عنه، وأصبح ذا سطوة و هيبة تأبى الخيانة والتآمر إلا أن يلعبا دورا خطيرا" ذهب اذينة وابنه هيرودس ضحية الغدر والخيانة في أحوال غامضة عام 266 أو 267 اذ جاءت الخيانة من اقرب المقربين من ابن اخيه " مُعَنّى بن خيران" زعيم المطبعين في ذاك الزمان! بعد ان ادرك الروم خطورة اذينة على امبراطوريتهم ....
الدرس : يقول المثل الشعبي " سوس العود منه وفيه" فالحذر الحذر من المطبعين حتى وان نشروا مليون مقال في الولاء والانتماء! : ادرس التاريخ تجد ان الحَذِرَ يُؤتى من مأمنه ، وكذلك ربما ينفخ الاستعمار شخصا ما ويجعله اداة طيعة يضرب بها من يشاء لكنه في النهاية يتخلص منه بعد نفاذ مهمته! وهذا يشير إلى اهمية الحذر من المطبعين مع الأعداء الذين يرفعون شعار الوطنية لكنهم يضمرون الغدر والخيانة!
هذه الدروس والعبر هي من التاريخ الذي ما عاد يأبه به أحد : يقال أن أحد أزلام الاستعمار والعمالة ذُكَّرَ بحكم التاريخ : فقال انا لا يهمني التاريخ بعد أن أكون عظاما نخرة : أنا اريد أن اكحل عيوني بالنظر الى ساقي حسناء في ماخور وان اسكر في ليلة حمراء .... واطلع امام الكاميرا ممتشقا سيف الشتائم للعدو بتصريح منه طبعا .... اهم شي الامتيازات والكاميرات وليذهب التاريخ وأهله الى الجحيم " أنا ومن بعدي الطوفان" .....