الشيخ كندريش قطاع الذراري

mainThumb

13-08-2022 03:13 PM

عاد إدغيم بعد حلول الظلام بصيد وفير من الارانب البرية والشّنار والحمام المطوق والقمري - صيد وفير استقبلته زوجته بحفاوة لكنها رفضت ان ترسل شيئا من الصيد لبيت ابن عمه المجاور له فقد كان يسكنان كل واحد في بيت من الشعر .اقتنى ادغيم شلّية لا تقل عن ثلاث مائة راس من الضأن بينما كان ابن عمه إكريم لديه قطيع من البقر لا يزيد عن ثلاثة رؤوس حلاّبة بالإضافة الى سبعة عجول يسّمنها من اجل البيع.
رفضت رفقة ان ترسل شيئا من الصيد ، وقالت متبرمة ان ترفة زوجة كريّم لا تستأهل شيئا واردفت بصوت مبحوح كانه بكاء " سَمْ اللي يسمها إن شاء الله!" ذعر إدغيم فسال محتدا:" " ما دهاك ؟ ما الذي جرى ؟" هنا انفجرت رفقه باكية وقالت " :ذهبت لجلب الماء وتركتت ابننا "حامد" في ذمتها امانه حتى اعود . لقد وضعت القِرَب على الدواب وانطلقت الى نبع الماء الذي يبعد مسافة طويلة فلابد ان تمضي ساعتين ذهابا وثلاث ساعات إيابا ، لأن الدواب في الإياب تكون محملة بالماء فسرعتها تقل !
وواصلت : في أثناء غيابي اخذ الطفل يبكي ، هذا ما خبرّتني به جارتنا : سُعدى " قالت اخذ الطفل يبكي فتفقدته ترفه ظنا منها انه يحتاج الى غيار الفوطة القماشية ، لكن الطفل كان نظيفا ، فقالت انه ربما كان جائعا يريد حليبا ، فبدلا من ان ترضعه من ثديها ، حلبت الحمارة المربوطة أمام البيت واعطت الحليب للطفل .
وعندما اخبرتني سُعدى بذلك صُعِقْتُ لِمَا قامت به ترفه فهجمت عليها واشبعتها ضربا بيد "المهباش" واصابت احدى الضربات جبهتها فسال الدم غزيرا احضرت سعدى كمية قهوة مطحونة وضعتها على الجرح وضمدته .
اشتاط إدغيم غضبا وحمل بندقية الصيد وانطلق يريد اطلاق النار على ترفه لكن الحاجة سعدى خطفت البندقية من يده , وبعد ان سكت الغضب عنه صاح بابنه الأكبر ابن السبعة عشرة ربيعا: هيا يا سامي عزّل البيت سنرحل ولا نجاور هذه المجرمة ...
سارت قافلة الرحيل و حلت في خلة فيها عدد من بيوت الشعر نزل ادغيم ونصب بيته هناك ، واقام له جيرانه وليمة حسب العادة المتبعة بين الناس ان النزيل ضيف على الحي الذي ينزل فيه!
وفي ليلة غاب القمر فيها : شوهد الكهف في اعلى السفح المقابل تشتعل فيه نار ،فذعر الناس
وفي صباح اليوم التالي اخذوا يتساءلون بينهم عما رأوه ليلة امس. ثم ظهر فجأة رجل يمتطي بغلا اسودا = انه أبو معارك ابن عم إدغيم جاء ليبحث عنه
ولما وصل اعلمه ان بقرات ابن عمه إكريم قد سرقت وان إكريم يظن ان إدغيم هو المتأمر مع الحرامية !
اشتاط ادغيم غضبا وطرد القادم من بيته لكن نفرا من اهل المضارب تشبثوا بالضيف واقسموا الا ان ينزل ضيفا عليهم.
قام نفر من المجاورين بإحضار ادغيم وتم الصلح بينه وبين أبو معارك واتفق الجميع على ان يذهبوا هم ووفد من أقارب ادغيم الى مقام الخضر كي يقسم يمينا انه لا علاقة له بذلك
وبعد ان تناول الجميع القهوة العربية سال شاب أبا معارك قائلا : ياعم في كل اخر شهر نرى ذاك الكهف في اعلى التلة يضيء وبما انك من اهل الديرة ربما تعرف السبب , فقال أبو معارك متكلفاً الاندهاش :: قال : وهل رأيتموه جميعكم وهل قرّبتم القرابين؟
فقالوأ : لا لآ ...اخذ أبو معارك يرتجف .... ويتمتم دخلك يا سيدي كندريش سامحهم يا سيدي كندريش!" فسال شاب: "من هذا كندريش؟" فقال أبو معارك بعصبية : يا ولد قل سيدي كندريش سيدي كندريش وليّ من أولياء الله كان يسكن ذاك الكهف وروحه تأتي في نهاية كل شهر تنير المكان .... عليكم أن تذبحوا خروفا سمينا عندما ترون الكهف ينير ليلا.

ارتجف ادغيم عندما علم ان الشيخ كندريش قطّاع الذراري يحوف المكان آخر كل شهر وعندما ركب أبو معارك بغله سار معه الى خارج النزل : فقاليا عم اكراما للشيخ كندريش سأعترف لك الآن : انا يا عم بعت البقر بأرخص الأثمان للصوص مروّح وربعه وها هي الفلوس التي قبضتها منهم اعطيها لكرّيم وسأحضر له باقي النقود عندما يحضر
مروّح .
اضاء الكهف ثانية في اخر الشهر . وفي الصبأح ذبح النزل ثلاثة خراف سمينة إكراما للشيخ كندريش قطّاع الذراري
وعند الظهيرة حضر أبو معارك ممتطيا بغله الأسود ... اقام النزل وليمة عظيمة على شرف ابي معارك وزودوه بشيء من لحم الخراف وعاد بغنيمة وافرة من لحم الضأن الذي قدم قربنا للشيخ كندريش قطّاع الذراري!
وتمضي الأيام ثم يتكرر الضوء في الكهف كل اخر شهر وفي الصباح يحضر ابو معارك وينال وافرا من لحم الضأن بعد ان تقام له وليمة .
وبعد ان غادر أبو معارك في المرة الأخيرة اجتمع عدد من شباب النزل فقال شاب : "لاحظت في المرة الأخيرة التي اضاء بها الكهف ان أناس يتحركون حول النار فقد كان ظلالهم يدوا متحركا في ارجاء الكهف لكنه غير واضح لبعد المسافة والظلام الدامس! دعونا نذهب الى الغار اليوم نهارا ونشاهد ماذا فيه."
انطلق ثلاثة شبان نحوالكهف الذي كان في اعلى السفح . وبعد جهد جهيد وصل الشباب الكهف ولا حظوا ان الكهف يمكن الوصول اليه بسهولة من الجهة الشمالية اذ ينتهي السفح بارض سهلية- مراح- وهناك طريق قدم يسير به الانسان بسهولة ويصل الكهف . دخل الشباب الكهف : فوجدوا رمادا كثيرا وحطبا غير مكتمل الاحتراق . ادركوا ان النار تشتعل بفعل فاعل . فعادوا الى النزل مسرعين وقرروا ان ينصبوا كمينا عند الكهف في آخر ثلاث ليال من الشهر وفي ليلة الثامن والعشرين من الشهر كمن فريق من سبعة شبان مسلحين ببنادق م303 وبنادق الصيد قريبا من الكهف. وبعد ان ساد الظلام العكامس وصل ثلاثة نفر يحملون اعواد الحطب ودخلوا الكهف واشعلوا النار في الكهف واخذت طيور الحمام تتساقط من السقف ارضا والشبان يجمعونها ويضعونها في أكياس معهم . انشغل الشبان الثلاثة بجمع الحمام المتساقط وفي تلك الاثناء اندفع شبان الكمين السبعة والقوا القبض على الشبان الثلاثة : بعد التحقيق مع الشبان الثلاثة أفادوا:
"نحن نشعل النار في الكهف كما يفعل معظم الناس في القرى كي نصطاد الحمام ، وعندما حضر لنزلكم العم أبو معارك اخترع لكم قصة الشيخ كندريش ،فوجد ان اشعال النار في الكهف مُرْبِحٌ له :يكسب لحم ضان دون مقابل باستغلال سذاجة اهل النزل، ففي اخر كل شهر يرسلنا الى هذا الغار كي يوهمكم ان الشيخ كندريش قطّاع الذراري يضيء الكهف مع انه لا يوجد كندريش ولا غيره سوى عظام بغل في اخر الكهف افترسته الضباع ولم يبق منه الا عظامه .وغدا سيحضر أبو معارك لأنه هو الذي ارسلنا، وذلك كي يحصل على كمية من لحوم القرابين المقدمة للقديس كندريش!"
أطلق رجال الكمين صراح شابين واحتجزوا واحدا أذ قال افراد الكمين انهم سيلحقون الأذى بالشاب إن عرف أبو معارك باحتجازه وعاد الاثنان كل الى بيته بعد طمأنا أبا معارك انهما اشعلا النار في الكهف!
وفي نهار اليوم التالي ضحىً ظهر أبو معارك على بغله الأسود وعندما وصل النزل رحبوا به وقدموا له القهوة العربية ، وعندما سألهم إن ذبحوا القرابين : أجاب شاب لم نذبح شيء فارتعدت فرائصه سائلا : لمادا ؟
اجاب الشاب ضاحكا : لقد القينا القبض عل ابن الشيخ كندريش! وصاح احضروه: فظهر شابان توسطهما ابن الشيخ كندريش؟ قيل: ما رأيك يا ابا معارك: هذا ابن الشيخ كندريش قطّاع الذراري ام هو من ربعك؟
لن ينالك انت ولا سيدك كندريش قطاّع ٍالذراري شيء من لحوم الضأن بعد اليوم!