من صفحات التاريخ: رؤيا صادقة

mainThumb

20-09-2022 12:36 PM

في سنة 634 م حشدت قوات بيزنطة تسعين الف مقاتل قرب الرملة في فلسطين لمواجهة الزحف الإسلامي ، فبعث شرحبيل بن حسنة رضي الله عنه عباد بن سعد الحضرمي يحمل رسالة تُحَذّر خالد بن الوليد رضي الله عنه ان الروم قد حشدوا تسعين الف فارس في اجنادين قرب الرملة .
أرسل شرحبيل الى خالد ابن الوليد( رضي الله عنهما) قائد الجيش الإسلامي الذي كان مرابطا من الناحية الشرقية من دمسق يحذره ويطلب منه الاستعداد لمواجهة تلك الحشود .
فركب خالد الى ابي عبيدة رضي الله عنه وقال له: " هذا عباد بن سعد الحضرمي قد بعثه شرحبيل بن حسنة يخبر ان طاغية الروم هرقل قد ولّى قائدا يدعى وِرْدان على حشود الروم في اجنادين وعددهم تسعون الفا فما ترى من الراي يا صاحب رسول الله؟" فقال أبو عبيدة :" اعلم يا أبا سليمان أن أصحاب رسول الله متفرقون فشرحبيل بن حسنة بارض بصرى ، ومعاذ بن جبل في حوران، ويزيد بن ابي سفيان في البلقاء والنعمان بن المغيرة في ارض تدمر والرقة ، وعمرو بن العاص في أرض فلسطين. والصواب ان تكتب اليهم ليقصدونا حتى نقصد العدو ومن الله نطلب المعونة والنصر. فكتب خالد الى أمراء الجيش ، وقررا ان يتحركا لمواجهة جيش الروم فسحبا جيش المسلمين سحبا تكتيكيا ( بلغة العصر الحالي) من دمشق من اجل مواجهة الحشود في اجنادين ؛ فرفعت القباب والهوادج على ظهور الجمال .
قال أبو عبيدة انه يرى ان يكون على ساقة الجيش حيث النساء والولدان ويكون خالد في المقدمة كي يمنع جيش الروم من الوصول الى الحريم والولدان . قال خالد أنا لا اخالف لك رأيا. ثم قال خالد: أيها الناس انكم سائرون الى جيش عظيم فأيقظوا هممكم وتذكروا أن الله وعدكم النصر وتلا عليهم قوله تعالى –[ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين]
ثم ان خالدا اخذ الجيش وسار في المقدمة ، وبقي أبو عبيدة في الف من المسلمين في مؤخرة الجيش يحرس النساء والأطفال والاموال ، ولما رأى اهل دمشق ذلك قرروا مهاجمة المسلمين وهم يظنون ان الجيش الاسلامي مهزوم ولى الادبار خوفا من الحشود في أجنادين فقال العقلاء منهم :" إن ساروا على طريق بعلبك فهم قاصدون حمص وبعبلك لفتحهما ، وان ساروا الى مرج راهط فهم منهزمون . وكان في دمشق البطريق بولص الفارس المشهور ويحكى انه رمى شحرة بسهم فغاص السهم في الشجرة من قوة ساعده! ثم كتب على الشجرة [ من يدعي الشجاعة فليرم بسهمه جانب سهمي] لكنه لم يشهد قتال المسلمين منذ دخولهم دمشق ! فذهب اليه اهل دمشق طالبين منه الخروج لقتال المسلمين والظفر بمن تبقى منهم . فقال:" لقد تخلفت عن نصرتكم لأني ادركت انكم قليلي الهمة في قتال عدوكم وانا الان لا حاجة لي في قتال العرب!"
فأقسموا له انه إن سار في مقدمتهم لًيثَبْتُنَ معه ولا يولون الادبار وفوضوه بقتل من يولي الادبار منهم .‍
ولم استوثق منهم دخل منزله وخرج بلباس الميدان الكامل , فلما راته زوجته قالت:" الى أين؟"
قال : انا خارج لمطاردة فلول العرب فأهل دمشق قد ولّوني عليهم."
قالت زوجته : " لا تفعل والزم بيتك ولا تطلب ما ليس لك به حاجة ، فاني رأيت لك في المنام رؤيا: فقال لها :" وما الذي رأيت؟ "
قالت:" رايتك انك قابض قوسك وانت ترمي طيورا وقد سقط بعضها على بعض، ثم عادت صاعدة الى السماء فينما أنا متعجبة إذ أقبلت نحوك سحابة من الجو فانقضت عليك من الهواء وعلى من معك، فجعلت تضرب هاماتكم ثم وليتم هاربين .ور أيتها لا تضرب أحدا الا صرعته . ثم اني انتبهت وأنا مذعورة باكية العين عليك . " فقال : " ومع ذلك رأيتني فيمن صرع ؟ " قالت :" نعم وقد صرعك فارس عظيم ." فلطم وجهها وقال :" لا بُشّرت بخير لقد دخل رعب العرب في قلبك حتى صرت تحلمين بهم في النوم فلابد أن اجعل أميرهم خادما لك واجعل أصحابه رعاة للغنم والخنازير." فقالت زوجته افعل ما تريد.
ولما نادى في القوم اجتمع اليه ستة الاف فارس وعشرة الاف راجل
واصل الجيش الإسلامي زحفه الى فلسطين : خالد بن الوليد في مقدمة الجيش وأبو عبيدة ومعه الف مقاتل فقط يحرس النساء والأطفال و الأموال والأغنام والجمال في الساقة وتفصل بين المقدمة والساقة مسافة كبيرة !
نظر احد مرافقي ابي عبيدة فإذا غبار من ورائهم فساله أبو عبيدة عن ذلك فقال:" انها غبرة القوم !" فقال أبو عبيدة :" إن اهل الشام قد طمعوا فينا ، وهذا العدو قاصد الينا !" فما ان اكمل كلامه حتى بدت الخيل كأنها السيل وبولص على رأسها , فلما شاهد أبا عبيدة قَصَدًه ومعه الفرسان في حين قصد اخوه " بطرس "الحريم والمال وحازوا قطعة منه ولما احتوى ذلك الجزء عاد بطرس به نحو دمشق ، فلما ابتعد بطرس جلس ينتظر لينظر ما يكون من امر أخيه. واما أبو عبيدة عندما فاجأه الروم أيقن بصواب راي خالد عندما طلب ان يكون في مؤخرة الجيش . واحتدم القتال وتقدم بولص والاعلام والصلبان على راسه مشتبكة والنساء يولولن والصبيان يصيحون والألف من المسلمين قد اشتغلوا بالقتال : الف مقاتل مسلم يواجهون ستة عشر الف مهاجم روماني . واشتعل القتال بين ابي عبيدة و الروم وارتفعت الغبرة فوقهم وهم في كر وفر على ارض بلدة "سحورا" : وقد ابلى أبو عبيدة بلاء حسنا في القتال وصبر صبر الكرام . كان خالد في مقدمة الجيش لا يعلم الذي جرى . ولما ادرك الفارس سهل بن صباح غدر الروم قو م السنان وانطلق على حصانه المحجل - حصان من خيول اليمن ، طار يسابق الريح حتى وصل الى مقدمة الجيش صارخا:
:"أيها الأمير أدرك الأموال والحريم " . فقال خالد :" ما وراءك يا ابن الصباح ؟" اجاب :" أيها الأمير الحق أبا عبيدة والحريم فإن نفير دمشق قد لحق بهم وقد اقتطعوا قطعة من النسوان والولدان وقد بُليَ أبا عبيدة بما لا طاقة لنا به" . فلما سمع خالد ذلك الكلام من سهل بن صباح قال:" انا لله وانا اليه راجعون ، قد قلت لأبي عبيدة دعني على الساقة فما طاوعني ليقضي الله امرا كان مفعولا." ثم امّر رافع بن عميرة على ألف من الخيل، وقال له:" كن في المقدمة." وامّر عبد الرحمن بن ابي بكر الصديق على الفين، وقال له أدرك العدو، وسار خالد في اثره ببقية الجيش!
هزم المسلون جيش الروم شر هزيمة واسر ضرارُ بن الأزور بولصَ . يقول الواقدي:
تلاحقت جيوش المسلمين بابي عبيدة وحملوا على الروم ودارو بهم من كل مكان بذلك نُكْسَت رايات الروم وأيقنوا بالهوان ، وتقدم الأمير ضرار بن ازور كأنه شعلة نار وقصد بولص فلما رآه بولص تبلبل خاطره ووقعت الرعدة في فرائصه( كان ضرار في المعارك يقاتل والجزء الأعلى من جسمه عار ٍ فقال بولص لأبي عبيدة [ "يا عربي وحق دينك الا قلت لهذا الشيطان يبعد عني . وكان بولص قد سمع عنه و رأ ى من سور دمشق ما صنع بعسكر كلوس عزازير، وسمع بفعاله في بيت لهيا، فلما رآه مقبلا عرفه ، قال لأبي عبيدة :[ قل لهذا الشيطان لا يقربني ] فسمعه ضرار فقال له : " انا شيطان إن قصرت عن طلبك ، ثم انه طعنه ، فلما رأى بولص ان الطعنة واصلة اليه رمى نفسه عن جواده وطلب الهرب نحو أصحابه فسار ضرار في طلبه وقال له : [ اين تروح من الشيطان وهو في طلبك ؟] ولحقه وهَم َ ان يعلوه بسيفه. فقال بولص: [ يا بدوي ابق عليّ ففي بقائي بقاء أولا د كم و اموالكم . فلما سمع ضرار قوله امسك عن قتله واخذه اسيرا ، وقد قتل المسلمون من الروم مقتلة عظيمة
اما بطرس فبقي ينتظر اخاه لكنه اقتسم الغنائم ونساء المسلمين سبايا فقد عقد العزم ان يتخذ خولة بنت الازور سبية لنفسه . كانت في النساء عجائز من نسل العمالقة و حِمْير وتبع وكن قد اعتدن ركوب الخيل فقامت فيهن خولة خطيبة فقالت :[ يا بنات حمير بقية تبع ، أترضين بأنفسكن علوج الروم ،ويكون اولادكن عبيدا لهم ! فأين شجاعتكن وبراعتكن التي نتحدث بها عنكن في احياء العرب ومحاضر الحضر ولا اراكن الا بمعزل عن ذلك ، واني أرى القتل عليكن اهون من هذه المصائب وما نزل بكن من خدمة الروم الكلاب".
فقالت عفرة بنت غفار الحميرية:" صدقت، والله يا بنت الأزور، نحن في الشجاعة كما ذكرت، وفي البراعة كما وصفت ، لنا المشاهد العظام والمواقف الجسام . والله لقد اعتدنا ركوب الخيل وهجوم الليل غير ان السيف يحسن فعله في مثل هذا الوقت، وانما دَهَمنا العدو على حين غفلة ، وما نحن الا كالغنم "
فقالت خولة : يا بنات التبابعة والعمالقة خذن أعمدة الخيام وأوتاد الأطناب ونحمل بها على هؤلاء اللئام فلعل الله ينصرنا عليهم او نستريح من معرة العرب." فقالت عفرة بنت غفار : والله ما دعوت الى ما هو أحب الينا مما ذكرت . ثم تناولت كل واحدة منهن عمودا من أعمدة الخيام, وصحن صيحة واحد وألقت خولة على عاتقها عمود الخيمة وسمعت من ورائها عفرة وام أبان بنت عتبة وسلمة بنت زارع ولبنى بنت حازم ومزروعة بنت عملوق وسلمة بنت النعمان وغيرهن فقالت لهن خولة : لا ينفك بعضكن عن بعض وكن كالحلقة الدائرة ولا تتفرقن فيقع بكن التشتيت ."
وهجمن على الروم يضربنهم واجتمع الروم عليهن لكن النساء صمدن صمود الكرام ولم يقدر الروم عليهن حتى هرع بطرس مناديا في الروم لا تستعلموا السيف ولا تقتلوا منهن أحدا،- فقد عليم بوقوع أخيه اسيرا لدي المسلمين .، وروى الواقدي ان النساء قد قتلت ثلاثين علجا من علوج الروم !ذهل بطرس وغضب غضبا شديدا وقد رأى النساء يحرضن بعضهن بعضا ان يمتن موت الكرام فأظهر بطرس ندمه ولهفه عندما نظر الى فعلهن ونظر الى خولة بنت الازور وهي تجول كالأسد وتقول:
نحن بنات تبع وحِمْير وضربنا في القوم ليس يُنكر
لنا في الحرب نار تَسْعر اليوم تسقون العذاب الأكبر
فلما شاهد بطرس خولة قال لها :"اقصري عن فعالك فأني مكرمك بكل ما يسرك، اما ترضين ان أكون انا مولاك فأنا يهابني قومي ولي ضياع ورسا تيق وأموال ومواش ومنزلة عند الملك هرقل وجميع ما أنافيه مردود أليك،أما ترضين ان تكوني سيدة أهل دمشق فلا تقتلي نفسك فقالت :" يا ملعون يا ابن الف ملعون ، والله لئن ظفرت بك لأقطعن راسك والله مأ ارضى بك ان ترعى لي الإبل فكيف تكون لي كفؤا. فلما سمع كلامها، حرض أصحابه على القتال . واستعر لهيب المعركة بين النساء وعلوج الروم . فلما ادرك بطرس عناد النساء حرض الروم على قتالهن قائلا لهم :": الا تخشون العار من أن تهزمكم النساء ويصل الخبر الى الملك هرقل؟" فشد الروم عل النساء واحدقوا بهن ، لكن كانت المسلمات يطحن ارضا بكل فارس يصل اليهن فكن يضربنه بالعمد فيطيح ارضا عن جواده فينهلن عليه ضربا ويجردنه من سلاحه ، واستمرت المعركة بين الروم ونساء المسلمين حتى لاحت من بعيد كتائب المسلمين فصاحت خولة :" يا بنات تبع ، قد جاءكن الفرج ورب الكعبة " ونظر بطرس الى جيش المسلمين فخفق فؤاده وارتعدت فرائصه فصاح :" يا معشر النسوة : إن الشفقة والرحمة قد دخلت في قلبي ، لأن لنا أخوات وبنات وأمهات ، وقد وهبتكن للصليب ، فإذا قدم رجالكن فأخبرنهم بذلك " ، ثم لوى عنق حصانه يريد الهرب فشاهد فارسين قد خرجا من قلب الجيش الإسلامي احدهما تكمّى في سلاحه والآخر عاري الجسد وقد اطلقا عنان فرسيهما ، كانا خالدا وضرارا ، فلما رات خولة أخاها قالت يا ابن امي أقبل فصاح بها بطرس انطلقي الى اخيك ، فقد وهبتك له ، ثم ولى طالبا النجاة . فصاحت به خولة هازئة : " ليس هذا من شيم الكرام تظهرلنا لمحبة والقرب. ثم تظهر الساعة الجفاء والتباعد وخطت نحوه . فقال :" لقد زال عني ما كنت أجد من محبتك ." فقالت له خولة : لابد لي من قتلك على كل حال ثم اسرعت اليه وقد قصده ضرار . فقال بطرس :" خذ اختك عني فهي مباركة عليك وهي هدية مني اليك فقال له الأمير ضرار :" قد قبلت هديتك وشكرتها لك ا واني لا اجد لك شكرا على ذلك الا سنان رمحي فخذ هذه مني اليك . ثم حمل عليه ضرار وهو يقول [ واذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها او ردوها] ثم لوح البه بالطعنة ووصلت اليه خوله فضربت قوائم فرسه فكبا به الجواد ووقع بطرس ارضا فأدركه ضرار قبل سقوطه وطعنه في خاصرته فاطلع السنان من الجانب الاخر فطاح في الفلاة صريعا مجندلا فصاح به خالد لله درك يا ضرار هذه طعنة لا يخيب طاعنها!
وحمل الجيش الإسلامي على علوج الروم وشتتوا جمعهم وهلك ثلاثة الاف روماني . بعد ان خلص المسلمون الاسيرات وعلموا بما فعلنه قال أبو عبيدة الان ايقنت ان الشام أصبحت تحت سيطرتنا ... وبعد 1338 سنة فتح فتى كتاب التاريخ الحديث فشاهد صورة أب ثوري ينتحب ويهل الدموع على مًنْ نفق بعد هتكه الأعراض وتدمير البيوت وتشتيت الأهل في بقاع الأرض فقال الفتي " حقا، نار وخلفت رمادا"!