مقاصد برّاقة مبطنة بنوايا خبيثة

mainThumb

22-09-2022 10:06 AM

سألت الأم : لماذا يا سالم لا تذهب الى الديوان كما يفعل الشباب ؟ يا بني ان المجالس مدارس ففي مجالسة اهل الخبرة درس وعبرة ، فان جلست معهم فإنك تكتسب دروسا من خبراتهم وتجاربهم .
أجاب سالم : انا اذهب أحيانا لكن لا اذهب بانتظام!
فقالت الام : يا بني يجب ان تحضر المجلس يوميا كي تساعد عمك فالديوان جزء من بيته وهو بحاجة الى ربعه وعزوته حتى يحافظ على هيبته فوجود الشباب امثالك يخفف عنه أعباء الضيافة فهل ترضى ان يصب عمك وهو كبير السن بنفسه القهوة للضيوف ؟
قال سالم : بصراحة انا لا احب الذهاب الى هناك بانتظام وانا اتفادى الليالي التي يحضر فيها أبو شامة المجلس ، فهو شايب لا يطاق سليط اللسان . فباسم الإصلاح يحاول ان يحرج كل شاب لا يروق له سلوكا ومظهرا ، كلامه سم فهو ينبش في ماضي الشباب وماضي أهاليهم . تصوري ذات مره قال بلهجة المادح لوليد بن حميد:
انا اتذكرك عندما كنت صغيرا تطارد القطط في الحارات حافي وريالتك تسيل على صدرك ِ... انا لا اقصد التعريض بك لكن انا ابيّن للناس انك عصامي فاصبح الشباب يلقبونه " ابو رياله" . وهو دائما يذكر المثالب وينسى المناقب. والشباب يسكتون عن اهانته احتراما لسنّه، لكن ابشري الليلة سأذهب الى هناك وألقنه درسا لن ينساه.
قالت الام : استح ياولد هذا رجل كبير كيف ستلقنه درسا .هل ستضرب رجلا من جيل جدك؟
ضحك سالم وقال : تلقين الدرس لا يحتاج للضرب لكن غدا يأتيك الخبر اليقين!
وبعد صلاة العشاء ، انطلق سالم الى مضافة القرية ... كان المجلس غاصا بالحاضرين شيبا وشبانا ....
كان أبو شامة مشغولا بالحديث مع من حوله من الرجال ثم انتبه فشاهد سالما فأشار له بيده ان أَقْبٍل ...
ذهب اليه سالم فأجلسه بجانبه.
فقال أبو شامة بصوت مسموع : يا سالم انت شاب محترم لكن لباسك هذا يبهدلك : بنطال ضيق ,و قميص زهري ... انا لا أقصد احراجك لكن انت شاب من خيرة الشباب فلا تتشبه بالبنات! قال أحد الشباب: قصدك يا عم إنه طنط. فضحك الشباب الحاضرون ...
قمع سالم غيظه وضبط أعصابه وقال: يا عم: توجيهاتك الكريمة على عيني وراسي واقبلها بشرط أن تعلمني القنص
فأنت معروف أنك اشهر قناص في البلدة تحديدا قنص الحجل، وبالمناسبة ، فجر امس ارسلني والدي كي اعلف الدواب في خص الحاجة كاملة .... ذهبت بعد صلاة الفجر ... علفت الدواب ... ولقد شاهدت الشنّار هناك يغطي الأرض كالتراب وهو يأتي الى الخص لالتقاط الحبوب المنثورة ... لكن يا عم: تستطيع ان تتخذ الخص مكمنا لصيد الشنار !
سرّ أبو شامة وانتفخ سحره ونظر الى الحاضرين فإذا معظمهم شبابا .. فقال :
انا تعودت على حمل السلاح والقنص منذ نعومة أظفاري ففي عام 1939 كنت شابا في العشرين كان لدي بندقية " ام حديدين" رغم ان حمل السلاح كان ممنوعا بأمر من سلطات الانتداب البريطاني رغم ذلك اقتنيت بندقية سرا , وفي يوم طلبت مني جدتي رحمها الله ان احضر لها غزالا فهي قد اشتهت لحم الغزال ، فانطلقت نحو خلّة "ضوء القمر" ؛كانت الخلة بعيدة نسبيا عن مركز بوليس بريطاني في وادي نخلة .... ولما اقبلت على الخلة واذا بغزال يقطم ورق شجرة قبّار فصوبت البندقية نحوه واطلقت النار فخر أرضا، كان الهواء غربيا فخفت انه نقل صوت الطلق الى مركز البوليس فأخفيت البندقية في شجرة سدر رابضة على الأرض و اسرعت نحو الغزال ، لكن لحسن حظي عندما وصلت الغزال واردت نقله فإذا بغزال آخر يظهر عند شجرة ثانية فسددت عليه واصطدته!
هنا انفجر بعض الشباب ضاحكين. سٍأل شاب محتجا: انت تقول إنك اخفيت البندقية فكيف اطلقت النار على الغزال الثاني!
فقال سالم: اسكت .... اسكت.. لقد ذهب واحضرها وقنص الغزال الثاني .... حط في الخرج.
ساد صمت ... وسمع شاب يقول ان كنت كذوبا فكن ذَكَورا.
انفض السمّار من المجلس .... سأل ابو شامة سالما: انت متأكد ان الحجل يأتي في الصباح الى خص كاملة
فقال يا عم انا شاهدت الحجل هناك بأم عيني ... انت اذهب واتخذ الخص مكمنا ادخل الخص ولا تبق خارجه ...
فأنت سيد العارفين بصيد الحجل ....
اخذ أبو شامة يتقلب طوال الليل متصورا كمية الحجل التي سيظفر بها في الصباح غدا، و بعد صلاة الفجر حمل خرطوش الصيد مع كمية وافرة من ذخيرة الصيد .
دخل الخص بخفة وجلس هناك منتظرا رفوف الشنّار.... اشرقت الشمس ... سمع نقيق الحجل آت من بعيد من على السفح المقابل! فندم على عدم الذهاب الى هناك! واصلت الشمس ارتفاعها ودب الدفْ في المكان: أحس أبو شامة بلسعات في مختلف انحاء جسمه لكن لم يبال بذلك .... قال سأصبر الى الضحى .... اللسعات متواصلة لكنه غير مبال
ارتفعت الشمس ضحى وساد الدفء واشتدت عليه اللسعات ... اخذ يتلمس أطراف جسده : كان يلبس طقما عربيا جديدا لونه بيج ... انتقل الى بقعة عند الباب حيث الشمس الساطعة، أراد الجلوس على صخرة صغيرة فمد يده ليرفع طرفي لباسه... وبالهول ما رأى ... حشود هائلة من البراغيث تزحف على طقمه ... لقد كست البراغيث كل اطراف طقمه العربي ... ادرك سر اللسعات . البراغيث عمّت كل بدنه ورأسه حتى قظاظته البيضاء اكتست بلون احمر غامق ...
رغم ورطته انفجر ضاحكا ... "هذا هو الحجل والشنار الذي أخبرني عنه سالم" .... الان ادرك ان سالما قد اوقعه في تلك الورطة مكيدة ناجحة من غر من جيل احفاده ! غادر المكان مُولياً الادبار مُوَلولاً . وصل البيت واتجه الى زاوية ساترة في حديقة المنزل حيث كومة يابسة من أغضان الشجر ...اشعل النار في الحطب ولما اشتد اوراها وتعالى لهيبها خلع ملابسه : طقمه العربي وبشته الجديدان والقى بهما في النار فسمعت طقطقة البراغيث في النار كأنها صليات رشاشات في مكان بعيد ... قال في نفسة : هذه عاقبة المقاصد الحسنة المبطنة بخبيث النوايا ٍ!
وفي المساء ذهب أبو شامة الى الديوان متأخرا وسال عن سالم فقيل انه لم يحضر بعد . سأله احد الشبان إن حصل على صيد وفير في الصباح في المكان الذي أشار عليه به سالم فأجاب : نعم كان الصيد وفيرا لم يتسع له بشتي ولا طقمي ... انه صيد البراغيث ... لقد اوقعني سالم في مكان يعج عجا بالبراغيث واخبرهم بما جرى وانه اضطر لحرق ملابسه الجديدة كي يتخلص من البراغيث : ضحك الشباب وتعالت صرخاتهم تشفيا بابي شامة وتجرأ احدهم قائلا: أنت من الان فصاعدا تعرف بلقب انعم سالم به عليك _ لقبك الان " أبو البراغيث"
وقال اخر يا عم هذه عاقبة المقاصد المبطنة بخبيث ألنوايا!