رقية والمشعوذ

mainThumb

29-09-2022 01:40 PM

في بداية النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين اعتاد الناس ساعة الغروب في قرية " حِمى كليب" حلقة درامية تتكرر في نفس الوقت فعندما يأتي المساء يشاهد الناس " رقية" زوجة " ناصر " تجري في الشارع العام وزوجها يجري خلفها وهي تصيح مذعورة وهو يكيل لها الشتائم محاولا الإمساك بها, فيطيح غطاء رأسها ويحاول تمزيق ثيابها فيهرع اليهما الناس تحديدا الشباب ذوي العضلات فيمسكون بالزوج .والسؤال المعتاد: "ما سبب المشكلة" فتقول المرأة : "كان يريد ان يسكر فرميت زجاجة الخمر وكسرتها ، فغضب وطردني من البيت واراد أن يبطش بي فهربت منه!"
تجلس المرأة نادبة حظها التعيس، فيحضر اليها الشيخ إبراهيم المشعوذ ويأخذها الى كهفه الخاص حيث يحل مشكلات الناس النفسية ويرقيهم من المس والحر حسب زعمه، وقدم لها منديلا تغطي به رأسها فقال لها : "تريدين الخلاص من مشكلات زوجك تعالي غدا ضحى واحضري معك خمسة دنانير ، لكن انتظري هنا فأنا ذاهب اليه أتفاهم معه واحل المشكلة مؤقتا حتى يقضي الله امرا كان مفعولا!"
توجه الشيخ ابراهيم الى ناصر وجلس ساعة معه ثم عاد واصطحب زوجة ناصر الى بيتها حيث استقبلهما ناصر ووعد الشيخ ألّا يسيء لزوجته!
في ضحى اليوم التالي توجهت زوجة ناصر الى كهف الشيخ فوجدت مجموعة من العجائز -عدد منهن يحملن علب معدنية فيها عقارب سوداء واخر يمسكن ديكة سوداء وامرأة واقفة عند الباب ممسكة بخروف ، انتظرت رقية حتى جاء دورها فأدخلتها مساعدة الشيخ ذات الوجه الملطخ ببويا سوداء ودفعتها بقوة حيث يجلس الشيخ ،كانت النار مشتعلة في موقد امام الشيخ وفي كل لحظة يلقي فوقها ملح البارود فتتعالى ألسنة اللهب ، ويصرخ الشيخ: دستور يا أسيادي انا في خدمتكم هذه رقية زوجة منصور لا تمسوها بسوء ، رحبوا بها واحرسوها ، ثم قال بصوت راجف : "تقدمي يا بنيتي ، هل احضرت ما طلبت منك أمس.؟" قالت بصوت خافت راجف :" نعم يا سيدي" فقال :هات يا بنتي الخمسة دنانير "_ في ذاك الزمان كانت الخمسة دنانير ذات قيمة عالية تعادل مبلغا كبيرا في هذا الزمان-
ناولته الخمسة دنانير فالتقفها الشيخ بلهفة قائلا :"هذا مقدم وعند الشفاء تدفعين الباقي، خذي هذه الورقة ، طواها الشيخ على شكل مثلث، ودسيها في الوسادة التي ينام عليها. وخذي هذه الشعرات الطويلة وادفينها تحت عتبة البيت ، هذه الشعرات انتزعتها من ذيل بغل ابن خالة عمة ابن عم خالي جدي الولي الصالح كندريش !وهذا الماء فيه شيء من ريقي صبيه على الدقيق وقدمي له الخبز ولا تنسي ان تلطخي صباح الهر الذي يعيش معكم في البيت حتى تهرب منه الشياطين ، حيثما سارّ ولا تدعي زوجك يشعر بذلك ابدا لأنه إذا عرف بذلك فلن يكون للعلاج مفعول ابداـ وبعد أسبوع أي الخميس القادم سترين النتيجة لن يعود زوجك الى تناول الخمرة أبدا فهذا الحجاب مانع قاطع ، هيا بتوفيق الله يا بنيتي" !
خرجت رقية مسرورة يحدوها الأمل في شفاء زوجها من إدمان الخمرة ، لكنها صدمت عندما رأته يحتسي الخمرة ، فرجعت الى الشيخ مسرعة ، وقالت له انها وجدت زوجها يحتسي الخمرة فقال لها "انا قلت لك اصبري أسبوعا ، لا تيأسي يا بنيتي انتظري حتى الخميس فالأسياد سوف يهتمون بأمره!"
سلمت رقية امرها لله ، وعادت أدراجها الى البيت . اصبح ناصر يحتسي الخمرة يوميا ، وفي يوم الخميس أحضر كمية مضاعفة من الخمر وحانت ساعة قبيل المساء، فانطلقت رقية تحمل بيدها "خيزرانة".
كان الشيخ إبراهيم خارجا يتمشى الهوينى في الشارع العام قريبا من كهفه وقد لبس بشتا يوحي بالوقار ... سارت رفقة خلفه بخفة فلم يشعر بها ، فانهالت على مؤخرته ضربا بالخيزرانة فقفز عاليا فاصطدم بعمود خشبي ملقى على قارعة الطريق فطاح الشيخ أرضا فانهالت عليه رفقة لسعا بالخيزرانة وهي تصرخ وتقول :" يا لعين الشيب كان يشرب مرة واحدة في الأسبوع ، صار يشرب كل يوم، هيا أعد لي الخمسة دنانير"
هرع الناس اليهما وحجزوا المرأة عنه، واستعادوا منه الدنانيرٍ"