لا يضر السحاب نباح الكلاب

mainThumb

01-10-2022 02:53 PM

أمضى قناص الحجل " مساعد" عصر ذات يوم حاملا بندقية أم حديدين، في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين متنقلا من واد الى واد صاعدا هضبة و ونازلا أخرى حتى لمح حيوانا من وراء شجيرات ، خلف سلسلة حديدية خيّل اليه انه غزال ؛ كانت الأشجار كثيفة ، فاعتلى صخرة شاهقة حتى يشرف على المكان ويرى الطريدة بوضوح ، بان الغزال يقطم وريقات غضة من شجرة فصوب بندقيته تجاه الغزال ، ضغط على الزناد ، في اللحظة التي اطلق فيها النار ، قفز شخص من وراء صخرة محاولا الإمساك بالغزال لكن الرصاصة اخترقت جسد القافز فخر ارضا مجندلا ، فهرعت اليه امرأة ، تندب وتصيح ، وادركت ان مساعد هو القاتل وانه من حمولة ذات ثارات عند حمولة القتيل.
اطلق مساعد ساقيه للريح قصد ديوان القرية ودخل الديوان طالبا حماية وجيه حمولة محايدة ، فهدأ من روعه وحضر عدد من وجوه الحمائل في القرية واتفقوا على ترحيل القاتل من القرية هو وأقاربه .
فهجر الربع القرية الى قرى مجاورة متناثرة في محيط القرية. وذات يوم شاهد مساعد نفرا من عشيرة المقتول يطوفون اطراف القرية التي استقر فيها! أدرك ان أصحاب الثأر مصرين على اخذ ثأرهم ، فما ان حل الظلام حتى انطلق مساعد في رحلة نحو المجهول لأنه ادرك انه ان بقي قريبا من اهل الثأر فلابد ان ينالوا ثأرهم! تجاوز مساعد سبعة قرى وانتهى به المطاف في قرية " المنزل" ودخل القرية نهارا فسأل عن الوجيه المُقَدم في تلك الديار فقيل له ان أبا جفال هو الوجيه في القرية ، فقصده ودخل البيت طالبا الحماية ، فرحب به الرجل خير ترحاب وبعد ان سرد مساعد حكايته رحب به الرجل ووعده بالحماية وان يعمل على تسوية القضية وقال إن ثبت ان القتل لم يكن مقصودا متعمدا فربما يكون الحل سهلا إن شاء الله. خصص الرجل بيتا لمساعد خاصا به ، وحرص ابو جفال على سلامة الدخيل فطلب من ابناءه الا يغفلوا عن العناية به وان يحرصوا على سلامته!
ذات بوم قصد أبو جفال العاصمة مصطحبا معه الدخيل وشابين لحراسته!
واثناء تجوال أبو جفال في وسط البلد اندفع رجل رث الثياب ممسكا بتلابيب أبي جفال فقال أبوجفال :" كفانا الله شرك يا رجل ، ماذا تريد؟"
فقال الرجل:" انت أبو جفال الذي يضرب بكرمه وصيته الامثال، وتنسى حقوق الناس التي في ذمتك ! لقد اقرضتك عشرة جنيهات منذ سينين طويله ولم تردها لي !"
فقال أبو جفال : جل من لا يسهو ، سامحني يا عم ، تفضل هذه جنيهاتك وفوقها خمسة مني إكراما لك وليس ربا".
هَمّ َالشابان بالبطش بالرجل فنهاهما أبو جفال ، فغضب الشابان واحتجا انت وجيه البلد ويتهجم عليك جربوع مثل هذا فضحك أبو جفال قائلا: هذا الرجل فعل ما فعل حفاظا على كرامته ، والله لم اره في حياتي ، لكنه أراد ان لا يهدر ماء وجهه بسؤال الناس فزعم اني استقرضت منه فلجأ الى ذلك الأسلوب . وأنا أدركت ان الرجل عزيز النفس فتجاوبت معه!
بعد ان انهى أبو جفال مهمته في العاصمة عاد الى القرية بصحبة مساعد فأدرك مساعد ان الرجل الذي آواه في بيته انما هو رجل كريم وسيحل الله مشكلته على يديه!
ذات مساء اصطحب أبو جفال مساعد الى مضافة القرية الرئيسة وكان لا بد ان يمرا في وسط القرية وقبل الزاوية بمسافة قصيرة، سمع صوت صاحب بقاله يكيل الشتائم لأبي جفال . فقال مساعد: اتسمع الرجل يكيل لك الشتائم فقال أبو جفال لا يضير السحاب نباح الكلاب، فلما اقتربا من البقالة القى ابو جفال السلام فخرج أبو نون صاحب البقالة مسرعا اليه مرحبا : اهلا أهلا أبا جفال." فقال أبو جفال:" سبعك.... سبعك يا أبا نون "
وبعد صلاة العشاء في الليلة التالية قصد ابو جفال الديوان فوجده زاخرا بالرجال فنهض الجميع احتراما له واجلسوه في صدر الديوان ، لكنه تعمد خلع نعليه امام ابي نون الذي كان يجلس في طرف يمين المجلس، فلما جلس أبو جفال بصحبة مساعد قال أبو جفال: " الله يلعن الشيطان يا عم أبا نون لقد خلعت نعلي امامك ، لو إنك ترفعهما وتضعهما في الخارج! " فقال أبو نون : ’حاضر يا عم ونهض رافعا النعلين .
وبعد انتهاء السهرة وفي طريق العودة قال مساعد لأبي جفال:" تصرفاتك حكيمة لقد أدبت أبا نون دون عناء منك." فقال أبو جفال : انا اترفع عن نباح الكلاب كما يترفع السحاب عن نباحها فلا يضر السحاب نباح الكلاب وانت تعرف أن الكلب النبّاح لا يعض.
وبعد مضي سبع سينين توجهت جاهة من وجهاء القرى والمضارب المجاورة برئاسة ابي جفال وانتهت قضية مساعد مع اهل بلدته بالسلام وساد الوئام!