تغير اللغة

mainThumb

28-10-2022 11:00 AM

التَغّْيُر من سنن الحياة فقد يكون التغير إيجابيا فيكون صعودا وهذا هو التطور وقد يكون سلبيا فيكون هبوطاً والتغير لا ينجو منه كائن حتى وان مات فتغيره باختفاء مكوناته فتتحلل مكوناته ترابا أو بخارا .
واللغة كائن حي تتطور بتطور أهلها فاذا تطور أهلها تطورت معهم وان انحدروا تنحدر معهم، فهي وسيلة تخاطب في تَغْيُّرٍ مستمر بتغير الاحوال مع الزمن . واللغة ليست حكرا على شخص واحد أو مجموعة واحدة بل قد تكون لغة امة وإن كان لهذه الامة نفوذ في العالم فقد تضطر الأمم الخاضعة لها الى استعمال تلك اللغة في التخاطب كما فرضت اللغة الإنجليزية نفسها على كل المجتمعات التي خضعت لها فأصبحت لغة تًخًاطُبٍ أولى أو ثانية في معظم الأقطار التي خضعت لها في قديم الزمان! لكن اللغة قد تكون واسعة الانتشار ذات مكانة رفيعة في الدنيا فاللغة العربية لغة القران ذات شرف عظيم جعلها الله لغة الإسلام الخالدة فهي منتشرة في البلاد التي انتشر فيها الاسلام فهي لغة العبادة في فيها تحديدا في الصلاة! وللغة العربية معاجم عديدة منها معاجم عامة كلسان العرب ومعاجم معاني كالمصنف -معجم ابن سيدة!

واللغة الحية هي التي تتولد فيها مفردات ومصطلحات تعبر عن الاحداث والافعال والمبتكرات والمفاهيم المتداولة في كل مكان وزمان بغض النظر عن سلبية الأشياء أوإيجابياتها .ففي القرن العشرين والواحد وعشرين اقتضت الحاجة استعمال مفردات للتعبير عن الأحداث الجارية فاكتسيت بعض الكلمات معاني ثانوية وربما أساسية حسب استعمالها السائد ، ففي بداية القرن العشرين خذ مثلا كلمة ثورة التي تفيد تغيرا هائلا وتحولا هائلا في مجال ما كثورة المعلومات وكتدفق المخترعات والاكتشافات بينما معناها الأساسي التاريخي هو القيام بحركة مقاومة للتخلص من حالة قاهرة للخاضعين لها فيثورون للتخلص منها فأصبحت الكلمة تدل على التحرر من الاستعمار خاصة كالثورة الجزائرية وثورة عام 1936 في فلسطين وثورة فيتنام .
لكن بعد ذلك تطور معنى الثورة الى معان ثانوية فالتبست معانيها المشتركة فربما تدل على فعل ثوري حقيقي كالتمرد على المستعمر وقد يكون معانها تغير الحال كثورة تدل على حجم التغير الكبير في مجال ما في الحياة كثورة المعلومات ومن المعاني المشركة التي استجدت في الأربعين عاما الماضية هو المعنى الجديد المعاصر لمفردة ثورة إذ أصبحت تعني شركة ربحية نفعية يديرها آباء منتفعون ، فهذ النوع لا يديره خبراء في الاقتصاد بل يديره نفر جبلوا على التلاعب بمصير الناس فهي حركة نفعية يقوم بها نفر من الانتهازيين النفعين للتجارة بمصير الشعوب وَقُودُها جماجم الأبرياء وعائداتها للآباء الذين يتميزون عن مدراء الشركات الأخرى التي لها مجلس إدارة ومدراء تنفيذين بل وتطورت الشركة الثورية من شركة ثورية مساهمة الى شركة ثورية محدودة يديرها نفر من الآباء الانتهازيين قد طَلَوا رؤوسهم بالجل وتَجَلو بقمصان -تي شيرت -على شواطئ شرم الشيخ وايلات وتل الربيع و في ليالي الأنس في أوسلو! بعد ان شادوا من جماجم من قضوا في النضال قصورا لهم فتولوا دفة القيادة رغم انهم لم يطلقوا في حياتهم طلقة على العدو، حسب قولهم، وسموا انفسهم آباء القضية ثم منسقين امنيين!
وهذا التطور يقحم نفسه على اللغة فاقتضى ذلك معجم معاني ذاتي التأليف حقله الخيانة فإن بحثت عن كلمة أب ثوري فلا تجدها الا في قاموس الخيانة ومنسق تجدها في حقل النذالة في قاموس الخيانة، ولا يقتضي تأليف هذا القاموس خبرة واحترافا كبيرين لأن المفردات متناثرة في فضاء يمتد من ساحات التنسيق في نابلس وجنين والضفة الى عواصم التطبيع في شرق الوطن العربي وغربه! ولابد من التنبيه ان مفردات المعاني في قاموس الخيانة لها معان ظاهرة وباطنة فخذ مثلا كلمة تنسيق لها استعمال يدل على ترتيب امر معين بتعاون الأطراف التي تنفذه حسب دور كل طرف منهم وقد يكون لها معنى تضليليا: اما المعنى الباطني الذي يخضع له الطرف الأضعف هو ضبط المقاومة بتوصيل معلومات عن كل مقاوم ينوي او يقوم بعمل مقاوم ضد الاحتلال بكل وسيلة متيسرة للقضاء على المقاومين ثم يقوم الطرف المنسق بإصدار بيان تنديد بما فعله العدو المحتل مقابل كتاب شكر من الطرف الاخر!
والعجيب ان هذا القاموس مجاني لمن يؤلفه ويستعمله فلا يحتاج لتدوينه الا ذاكرة المعاصرين وهو سهل التأليف لمن أراد. ومفرداته غير مرتبة ترتيبا هجائيا وهو معجم مطواع فأي عتل زنيم قد يسطو على مفرداته فيستعملها استعمالا يتماشى مع ما يحقق مآربه الأنانية الدنيئة . وبوسع القارئ ان يعود اليه بيسر فلو شاهد اية محطة فضائحية يجد المعاني حية على الهواء فيتعرف على شخوص المطبعين وما اكثرهم!
هذا التطور اللغوي قد يكون مهينا للغة فها هي اللغة العربية تهان بالخروج على قواعدها وفي بناء مفرداتها فزورت معاني الكلمات ومسخت بأحداث وممارسات في شتى المجالات تحديدا السياسية منها التي اقتضت مفردات تعبر عن افعال الدناءة والخسة والانبطاح فألف معجم مختص بألفاظ عربية الشكل استعمارية المعنى. وقد تسجل صفحات الخزي والعار في اشرطة فيديوهات تجدها حية مقاطع فيديو يوتيوب فمثلا على لغة المنسقين القذرة تجد في مقطع يوتيوب منسقا يثبت اخلاصه للعدو يصف أمهات المناضلين الشريفات انهن شاذات . فهل بعد التنسيق ذنب! ففي قاموس المنسق تجد ان الأم الشريفة التي تريبي ذريتها بنينا وبناتاعلى العزة والأنفة ومقاومة الذل والهوان ، تجد مؤلفي قاموس الذل يصفونها بالشاذة!
وهناك امر خطير في معاني اللغة وهو الإحلال و قد يكون ذاتيا - أي داخليا لا يعدو الكلمة ذاتها فمثلا كلمة تقوى معناها الاساسي يدل على الاتقاء أي ان تجعل عازلا بينك وبين الخطر كما كانت الطريدة تتقي خلف صخرة من سهام القناص فجاءت في القران الكريم بهذا المعنى واحتلت المعنى الأساسي لها فأصبحت تدل عل الورع وطاعة الله فاصبح معناها أساسيا يدل على تقوى الله وهذ تغير داخلي في الكلمة دون ان يشمل كلمة غيرها فهذا يسمى احلالا داخليا اذ حل معنى مكان معنى اخر للكلمة ذاتها. اما الاحلال الثاني فقد إقتضاه حدث(فعل) معاصر فاستعملت مفردة لتدل عليه مع ان معنى ذاك الحدث هو عينه معنى كلمة أخرى أي ان شكل الكلمتين مختلف لكنهما متحدا المعنى تماما ، فخذ كلمة تنسيق وخيانة فالكلمتان تدلان على معنى أساسي واحد فأينما استعلمت الكلمة تجدها تدل على معنى الكلمة الأخرى بحذافيره فكلمة تنسيق في سياق الاحتلال اكان في جنوب اسيا ام في الشرق الأوسط تدل بشكل أساسي على الخيانة لا غير مع ان كلمة خيانة قد تدل على أفعال متعددة الاشكال كلها تصب في محيط الخيانة !
ومن الأمثلة السلبية التي تدل على انحدار اللغة في العصر الحالي هي كلمة " السلام" فقد اصبح معناها رغم ارتباطها بمكان محدد فمعناها الأساسي في قاموس الخيانة: الاستسلام لإرادة العدو وتنضوي تحتها كلمات: تطبيع، تنسيق وقبول الاخر، اعتدال ،ٍ منسق، مطبع وغيرها .! اما كلمة سلام إذا استعملت لتدل على ما تم تحقيقه في نهاية الغزو الأمريكي لفيتنام فمعناها الأساسي لم يعبث به الانتهازيون!
وخلاصة القول ان المفردات ماهي الا نتاج المجتمع فإن كان المجتمع مزدهرا يحيا حياة كريمة عزيزة خالية من الانحطاط كانت لغته مزدهرة عزيزة كريمة! فصفات اللغة ٍ صفات أهلها!


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد