عصر العلاقات الأفقية

عصر العلاقات الأفقية

13-01-2023 09:18 AM

عرفت ثقافة القيم العموديّة مع هبوب رياح الحداثة هزات متتاليّة ما فتئت تقضي تدريجياً على نمط الحياة والعلاقات القائمة على التصور العمودي. فالمجتمعات التقليدية مثلاً هي مجتمعات عمودية بالمعنى الثقافي والاجتماعي للكلمة. ومن مظاهر النمط العمودي نذكر العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والأب والابن، والمعلم والتلميذ، والأستاذ والطالب، وصاحب المشروع والعمال... أي علاقات قائمة على تلقي الأوامر من الفوق، لذلك فهي توصف بالعمودية. وطبعاً الثقافة ذات الهندسة العمودية حكمت العلاقات الاجتماعية وأنتجت علاقات قائمة على الهيمنة والخضوع.
إذن الفكرة الأولى المراد الإشارة إليها تتمثل في كون العلاقات العمودية خاصية المجتمعات التقليدية الشموليّة، في حين أن ما تقترحه الحداثة من خلال قيمها وتصورها الجديد للفرد كمحور البنى الاجتماعية وكفاعل اجتماعي مستقل ومحرك للفعل الاجتماعي وفق أهداف تُوصف بالعقلانية، هو نمط جديد ومختلف ومعارض تماماً يطلق عليه نمط العلاقات الأفقيّة.
فالحداثة ترفض العلاقات القائمة على الهيمنة والتي تنتج عنها قرارات فوقية.
كما يختلف التغيير الذي أصاب العصر الحديث من الفضاء الأوروبي إلى الفضاء العربي والإسلامي، بل إنه يمكن القول بثقة إن كل فضاء ثقافي مجتمعي لديه وتيرة خاصة في التفاعل مع قيم الحداثة وأنظمة الفعل الاجتماعي المقترحة.
ويتجه النضال القيمي الحقوقي اليوم وفي كل أرجاء العالم نحو التصور الأفقي في مقاربة العلاقات وبلورة الفعل الاجتماعي سياسياً كان أو ثقافياً، من ذلك مثلاً أن مؤسسة الأسرة بوصفها النواة الأساسية للمجتمع أصبحت اليوم تقوم على العلاقات الأفقية سواء في العلاقة بين الزوجين أو بين الأولياء والأطفال. وهو ما يعني أن البناء الأبويّ يعرف من عقود تراجعاً وأصبح الأولياء يقيمون علاقات أفقية مع أطفالهم. وفي مقابل ذلك فإن الأولياء الذين ما زالوا يمارسون تصور العلاقة العمودية مع الأبناء تنتج عن ذلك ظواهر اجتماعية أهمها التوتر بين الأولياء والأبناء ويشتد هذا التوتر عند بلوغ الأطفال مرحلة المراهقة. كما نشير أيضاً إلى أن التشريعات الخاصة بالطفولة في العالم اليوم تستند إلى التصور الأفقي الذي يتمظهر بدوره في الحوار والنقاش والنقد والإنصات المتبادل والتفاوض...
وإلى جانب كون الأفقية هي نظرة العصر الحديث والراهن فمن المهم مقاربة هذه المسألة في بُعدها الوظيفي، حيث إن العلاقات بين المؤسسات والهياكل الرسمية وغير الرسمية تشترط اليوم العمل أفقياً، بمعنى أن الهدف واحد، ولكن المتدخلين كثر. لا تستطيع اليوم مثلاً وزارة واحدة وإن كانت معنية بقطاع معين أن تعالج مشكلات القطاع برمّتها. ونلحظ أن الحاجة إلى التشبيك والتعاون لم تعد ترفاً بل ضرورة من أجل بلوغ الأهداف. ويمكن أن نضرب المثال التالي:
ظاهرة العنف ضد المرأة إنما تعالَج اليوم من وزارات المرأة والعدل والداخلية والثقافة والصحة. أيضاً العمل الدبلوماسي اليوم لم يعد يقتصر على السياسي الدولي فقط، بل إن الأصل في العمل الدبلوماسي اليوم الاقتصاد والثقافة والسياحة، وهو ما يشترط وجوباً تكاتف الجهود والأدوار بين هياكل مختلفة تتعاون أفقياً من أجل تجسيد دبلوماسية ناجحة متعددة الأبعاد.
وبناءً على رصد حقيقة الأفقية كنمط تفاعل للإنجاز داخل المجموعات والهياكل والمؤسسات والبيئات الاجتماعية، فإنه حتى العلاقات الدولية ستجد نفسها مع الوقت وتراكم النزاعات والدروس تنحو مضطرة نحو الأفقية ولن يتقبل المستقبل البعيد أو ربما المتوسط علاقات تقوم على الهيمنة وعلاقات القوة كما هو شأن العلاقات على امتداد التاريخ الإنساني. فلا توجد دولة اليوم يمكن أن تستغني عن بقية العالم مما يؤكد الحاجة المتبادلة بين دول العالم الفقيرة والغنية والقوية والضعيفة والمتقدمة والمتخلفة والسائرة في طريق النمو.
إن تأكيد التحول من التصور العمودي للعلاقات والفعل والقرار إلى التصور الأفقي القائم على الحوار والتشاركية نقطة مهمة من شأنها أن تحسم مبدأ أساسياً في مقاربة الأشياء، وبناء البرامج، ووضع المشاريع، والاستراتيجيات.
وليس سهلاً مثل هذا الانتقال القيمي الثقافي العميق ويحتاج إلى وعي وجهود توعية لأنّها تمس مسألة في غاية الأهمية وهي العلاقات الاجتماعية التي لم يعد ممكناً خضوعها لقواعد التعامل العمودي سواء في الفضاء التربوي أو الأسري أو المهني، وغير ذلك من الفضاءات التي كانت محكومة بالعلاقات العموديّة.
ولا يخفى على الجميع اليوم وجود تردد وتشظٍّ بين الأفقية والعمودية، خصوصاً في المجتمعات التي لا تزال عالقة في منطقة ما بين التقليدي والحداثي.
أشياء كثيرة تحتاج إلى الحسم الواضح لتجنب إهدار الطاقة والزمن وعلى رأس هذه الأشياء: الانتقال بجرأة وشجاعة إلى زمن العلاقات الأفقية.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

ترامب: الشرع سيتولى ملف حزب الله بطريقة مختلفة عن إسرائيل

مونديال 2026: نائبة الرئيس الأرجنتيني تصف الإنجليز بـالقراصنة

العمل: مشروع قانون تنظيم المهن يوفر حماية اجتماعية للعاملين

الحنيطي يفتتح أعمال الاجتماع الـ45 للجنة العسكرية الأردنية–الأميركية

قاليباف: إيران لم ترحب بالحرب لكنها ستواصل الاستعداد للقتال

مونديال 2026: ملك إسبانيا فيليبي السادس سيحضر الأحد المباراة النهائية

المغرب يوقع اتفاقا للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية بغزة

صندوق النقد: انقطاع إمدادات الطاقة طويلا سيؤثر على الاقتصاد العالمي

الملك يعود إلى أرض الوطن بعد زيارة إلى قطر

العيسوي يعزي العظامات والبدارين وحفار والحاج حسن

الغذاء والدواء تضبط 5 أطنان مستحضرات تجميل مقلدة وتغلق 3 منشآت

إيران: ارتفاع ضحايا الهجمات الأمريكية الأخيرة إلى 35 قتيلا

استقرار الإيرادات المحلية وارتفاع المنح يعززان نمو الإيرادات العامة لنهاية أيار

الدفاع المدني يخمد حريق مبنى يستخدم كمستودع في العاصمة

التنمية: إغلاق مركز الهدبان بعد نتائج التحقيق وتوصيات حماية الأسرة

مقتل أميركية في إيرلندا .. البحث عن أردني غادر البلاد قبل اكتشاف الجريمة

وفاة سيدة أثناء الولادة تستنفر الأجهزة الأمنية في إربد

بعد مقتل جيمي كارني .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يصدر بيانًا رسميًا

هيفاء وهبي تصل الأردن وتشعل الاهتمام قبل حفل الليلة .. ومفاجأة تجمعها بسانت ليفانت

جريمة تهز المواقع .. قتلت زوجها لأنه يحبها ويهتم بها .. صورة

مشروع قانون الملكية العقارية .. 15 تغييرًا قد يؤثر في كل مالك أرض بالأردن

وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق

إرادة ملكية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة حسان

بعد المصادقة على حبسه .. الرياطي يفقد عضويته في النواب

أول ثمار "مجلس السلام " خمط .. ؟

قتيل واصابة بمحافظة جرش

تحذير من إحداث بلبلة والطعن في الغذاء الأردني عند إغلاق منشأة

أحكام مشددة في قضية سرقة مكتب طلال أبو غزالة .. والقضاء يحسم الملف

مهم من العجلوني بشأن امتحان الشامل العملي

السوسنة السوداء .. حكاية ترخيص أم أزمة حوكمة؟