الضيف السجين

mainThumb

05-02-2023 10:00 AM

الضيف السجين/ مترجم / للكاتب للفيلسوف الفرنسي البرت كأموس

راقب مدير المدرسة رجلين يصعدان السفح نحوه : كان احدهما يمتطي حصانا والأخر ماشيا! كان يعانيان اشد العناء في صعودهما المنحدر الشديد المؤدي الى مبنى المدرسة فوق الهضبة . تقدما نحوه تقدما بطيئا في الثلج المتراكم بين الصخور على مساحة هضبة شاسعة عالية مهجورة. كان الحصان يتعثر بين الفينة والفينة . لم تكن حركة الحصان مسموعة لكن امكن مشاهدة بخار التنفس الصادر من منخريه. وقدّر المدير انهما لن يصعدا الى قمة التلة الا بعد نصف ساعة! الجو بارد؛ فعاد المدير الى المدرسة كي يحضر سترة .دخل غرفة صف باردة خالية
وعلى اللوح شاهد انهار فرنسا الأربعة مرسومة بالطبشور - كل نهر بلون مختلف- كانت الرسم يوضح تدفقالانهار الى مصابها وقد مضى عليها ثلاثة أيام مرسومة على اللوح. لقدهطل الثلج فجأة في منتصف أكتوبر بعد جفاف دام ثمانية أشهر دون ان يسبقه المطر وقد حال الثلج دون قدوم العشرين تلميذا الى المدرسة فقد سكنوا في انحاء متفرقة في الهضبة! لكنهم لايحضرون في الطقس السيء بل يأتون المدرسة في الجو اللطيف المعتدل. شغّل المدير دارو التدفئة الوحيدة في الغرفة التي يقيم فيها المحاذية لغرفة الصف! كانت فيها نافذة تطل على الجنوب كنوافذ غرفة الصف.قامت المدرسة على ذلك السفح حيث يبدأ انحدار الهضبة نحو الجنوب!وفي الجو الصافي كان بوسعه مشاهدة كتلة سلسلة الجبال الارجوانية والفجوة فيها تفضي الى الصحراء!
بعد ان شعر بالدفء عاد دارو الى النافذة التي شاهد منها الشخصين، لقد غابا الان عن الأنظار فقال لابد انهما قد صعدا المنحدر ولم تكن السماء مظلمة كثيرا لأن الثلج توقف عن التساقط خلال الليل وتنفس الصبح بفجر ذي ضوءباهتواستمر الحال كئيبا حتى بعد انقشاع الغيوم! وفي الساعة الثانية بعد الظهر بدى النهار كأنه في أوله! لكنه قد تحسن شيئا قليلاعما كان عليه اثناء تساقط الثلوج ثلاث ليال سوياحيث ساد الظلام فيها مع هبات رياح متقطعة هزت دفتي باب غرفة الصف . في تلك الليالي، امضى دارو ساعات طويلة في حجرته التي لم يخرج منها الا حينما اضطر الى الذهاب الى المخزن كي يحضر الفحم او كي يعلف الدجاج! ولحسن حظه، كانت الشاحنة قد احضرت من منطقة التجديد -اقرب قرية في الشمال- ما يحتاج من مؤنة ولوازم قبل يومين من العاصفة الثلجية! وستعود الشاحنة خلال ثمان وأربعين ساعة القادمة
بالإضافة الى ذلك كان بوسعه التعايشفي ذاك الحصار فغرفته الصغيرة تكدس فيها أكياس القمح الذي تركته إدارة المنطقة هناك لتوزيعه على ذوي الطلبة الفقراء الذين قد عانوا من شدة القحط! فقد كانوا جميعا ضحايا الجفاف لأنهم كانوا فقراء . كان دارو يوزع نصيبا يوميا من الحبوب لكل تلميذ ، ولم يحصل التلاميذ على نصيبهم من الحبوب خلال الثلاثة ايام الماضية بسبب هطول الثلج والطقس السيء . ومن المحتمل ان يحضر اليه في ذاك المساء احد الإباء او اخوة الطلبة الكبار ليأخذ نصيبه من الحبوب ... لقد كان ذلك الاجراء تدبيرا مؤقتا يسعف الفقراء حتى حلول موسم الحصاد القادم . وفي ذلك الحين كانت تصل بواخر محملة بالحبوب من فرنسا وقدانقضت الفترة الحرجة من الضائقة ، لكن كان من الصعب تلاشي الفقر وجيش من الاشباح شعثا غبرا بثياب مهلهلة يجبون الطرقات يتضورون جوعا تحت اشعة الشمس يجبون تلك الهضاب التي تحولت في اشهر القحط الى رماد شهرا بعد شهر في فترة الجفاف وتحولت قشرة الارض الى رماد شيئا فشيئا وقد أحرقت الشمس حرفيا كل حجر بارز من التربة حوّلته الشمس الى جمرة من لهب تحت اقدام من يدوسونه ونفقت الوف الأغنام وتساقط عدد من الناس هنا وهناك دون ان يحس بهم احد!
وفي مقابل ذلك عاش دارو كراهب منعزل على الأريكة الضيقة في مدرسته النائية ذات الجدران البيضاء النظيفة كأنه لورد . وفي غرفته ذات الأرفف التي لم تدهن ولديه بئر ماء وتصله مؤنته الأسبوعية من الماء والغذاء. لكن فجأة هطل الثلج ،غير مسبوق بالمطر, هكذا كانت طبيعة تلك المنطقة العيش فيها صعب ،وحتى دون البشر الذين لم يطيقوا الاحوال هناك، أيضا. لكن دارو ولد في تلك الديار وان عاش في مكان اخر غير ذاك المكان فانه يشعر انه في منفى!
خرج من الغرفة متجها الى الممر الإسمنتي- مصطبة امام مبنى المدرسة . كان الرجلان قد قطعا نصف المسافة على المنحدر. أدرك ان الخياّل هو صديقه الدركي كبير السن "بالدوتشي" الذي عرفه منذ القدم! كان بالدوتشي يقود عربيا مقيدا بحبل -يداه مكبلتان مهطعا رأسه . لوّحالدركي يده تحية لدارو الذي لم يرد التحية ، فقد اذهله منظر العربي في جلابيته الزرقاء البالية متلاشية اللون وكان ينتعل صندلا لكن قدميه يغطيهما جوارب صوفية ثقيلة ورأسه مغطى بعمة قصيرة ،وكان بالدوتشي ممسكا عنان حصانهكي لا يسير سريعافيؤذي العربي و تقدم الركب نحوه بطيئا!
وعندما كانوا في مرمى السمع ، قال بالدوتشي : "ساعة كاملة استغرقنا لقطع المسافة من [العامر] الى هنا. لم يجب دارو لكنه بقي منكمشا في سترته الثقيلة يراقبهما يصعدان المنحدر .
رفع العربي رأسه فجأة عند وصولهما الممر الاسمنتي. قال دارو :" مرحبا، تفضلا وادخلا تدّفئا" . حوّل بالدوتشي متألما عنالحصان لكنه بقي ممسكا الحبل ابتسم للمدير ابتسامة ماكرة من تحت شاربه الخشن! لكن عينية السوداوين الصغيرتين قد غارتا عميقا تحت جبهته المدبوغة بفعل الشمس وفمه المحاط بالتجاعيد جعلته يبدو يقظا حذرا. امسك دارو اللجام وقاد الحصان الى السقيفة وعاد الى الرجلين الذين كان ينتظرانه في المدرسة وادخلهما الغرفة . وقال انهما سوف ينعمان بدفء غرفة الصف وانهما سوف يرتاحان أكثرفيها!
وعندما دخل الغرفة كان بالدوتشيجالسا على الأريكة وقد حل الحبل الذي كان يربطه بالعربي الذي جلس القرفصاء قريبا من الموقد ومازالت يداه مكبلتين والعمامة قد حسرت الى الخلف على رأسه وكان العربي ينظر نحو النافذة! في البداية لاحظ دارو شفتيه الكبيرتين السمينتين الناعمتين كادتا ان تكونا برطمي زنجي لكن انفه كان مستقيما(ليسمصفلحا كانف زنجي!) وعيناه سوداوان غامقتان مستديرتان كعيني صقر تماما وانحسرت العمامة عن جبهة عنيدة وتحت البشرة الذابلة التي بهت لونها بفعل البرد بدى محياه قلقا متمردا. قال المدير : أذهبا الى الغرفة الثانية و سأحضر لكما الشاي بالنعناع !
قال بالدوتشي : اشكرك" ثم قال: " ياله من عمل تعيس! اتوق الى يوم تقاعدي وخاطب اسيره باللغة العربية :" انت تعال الى هنا"! نهض العربي ببطء رافعا يديه المقيدتين امام صدره ودخل غرفة الصف!
واحضر دارو كرسيا مع الشاي لكن بالدوتشي كان قد جلس في اقرب مقعد من مقاعد التلاميذ وجلس العربي القرفصاء مقابل منصة المعلم قريبا من الموقد وكانت المنصة بين اوالنافذة وعندما امسك داروكوب الشاي ومده نحو العربي لاحظ القيد في يديه قيوده؟"فسأل دارو:" لم لا تفك قيده؟" أجاب بالدوتشي : " لقد قيدته لمقتضيات الرحلة" وحاول النهوض لكن دارو وضع كوب الشاي على الأرض بعد ان جثا على الارض بجانب العربي ولم ينبسالذي ببنت شفة بل كان يراقبه بعيون قلقة ، وعندما تحررت يداه فرك يديه ببعضهما وتناول كوب الشاي واخذ يرشفه رشفا سريعا ..
قال دارو:" طيب ! والى اين وجهتكما . أبعد بالدوتشي شفتيه عن كوب الشاي قائلا ” الى هنا يا ابني!"
" يا لكما من تلميذين غريبين غير مألوفين، وهل ستمضيان الليل هنا؟"
أجاب بالدوتشي :" لا.. فأنا سأعود الى العامر وانت ستسلّم هذا السجين في " تنغويت"! حيث يتوقعونه غدا في مقر قيادة البوليس هناك!"
كان بالدوتشي ينظر الى دارو بابتسامة ودية
سأل داور مستهجنا :"ما الحكاية؟ اتسخر مني ؟"
أجاب بالدوتشي: " لا يا بني ، هذه الأوامر!"
تردد دارو قائلا فهو لا يريد ان يجرج مشاعر الدركيالكورسيكاني( من جزيرة كورسيكا) كبير السن :" انا لن ... ثم واصل ... اعني ان هذا ليس عملي!"
أجاب بالدوتشي : ماذا ... ماذا تعني؟ في زمن الحرب يقوم الناس بشتى الاعمال!
قال المدير :" إذن، سأنتظر اعلان الحرب !"
قال بالدوتشي : طيب ! لكن الأوامر قائمة وانت معني بها أيضا!" فالأمور تغلي وهناك حديث عن هبّة قادمة‍! نحن في حالة استنفار!"
مازال دارو عنيدا !
قال بالدوتشي: " اسمع يا بني :: انا احبك إذ اخذت الآن تستوعب. لا يوجد أفراد درك بعدد كاف الا عشرة افراد ليقوموا بدوريات كما ينبغي في منطقة العامر كلها وعليَّ العودة سريعا الى هناك. ليس بوسعنا ان نبقي هذا السجين هناك فأهل قريته على وشك التحرك كي يستعيدوه لذلك يجب عليك أن تأخذه الى تنغويت غدا قبل نهاية اليوم فعشرين كيلو مترا لن تعجز شخصا نشيطا مثلك وبعد تسليمه سينتهي كل شيء وتعود الى تلاميذك وحياتك المريحة!
سُمِعَتالفرس وراء السور تنفر مناخيرها وتضرب الأرض بيديها. ونظر اليها دارو من النافذة والطقس اصبح صحوا تماما فبانقشاع الغيوم عم الضوء الهضبة المكسوة بالثلوج! وعندما تذوب الثلوج سياتي دور الشمس الحارة التي ستلهب حقول الحجارة كرة أخرى ولأيام طويلة ستصب السماء اشعتها الجافة الحارة على هذا الامتداد المعزول الذي لا علاقة له بالإنسان!
ثم استدار نحو بالدوتشيسائلا:"قبل كل شيء، قل لي ماذا أفعل،وقبل ان يجيب الدركي سأل: هل يتكلم هذا العربي الفرنسية؟
أجاب الدركي :" لا ...و لا كلمة.. لكني امضيت شهرا كاملا ابحث عنه،لقد قتل ابن عمه!"
" أهو ضدنا؟"
" لا اظن ذلك ، لكن لا يمكنك الاطمئنان!"
" لكن لماذا قَتَل؟"
" شجار عائلي لسبب تافه حسب ظني! احدهما مدين بكمية حبوب للأخر. هكذا يبدو لكن لا شيء واضح! لكنه ذبح ابن عمه ب"قاطولة"
وأشاربالدوتشي بحركة تمثل حد الة حادة تحز في عنق القتيل و العربي يشاهده بقلق!
فجأةغمر دارو غضب ضد الرجل بل ضد كل الناس الذين يكنّون في صدورهم حقدا اسودا وكراهية عمياءممزوجة بشهوة سفك الدماء!
لكن الابريق فوق الموقد كان يصدر صفيرا. فقدّم المدير مزيدا من الشاي الى بالدوتشي وبعد تردد قدم الشاي كرة أخرى للعربي الذي شرب الشاي بشعف هذه المرة! وعند رفعه ذراعيه سقطت الجلابية ثانية فرأى المدير صدره النحيل واهن العضلات.
قال الدركي:" شكرا يا بني ، انا الان مغادر !"
نهض الدركي واتجه الى العربي وقد اخرج حبلا صغيرًا من جيبه!
سال المدير بجفاء : "ما الذي تفعله؟"
فارتبك الدركي وهو يُري المدير الحبل
" لا تقلق"
فقال الدركي مرتبكا : " الامر يعود لك!" بالطبع انت مسلّح َ!
" لدي بنقدية صيد"
" اين؟"
" في جذع الشجرة"
" يجب ان تبقيها جانب فراشك!"
" لماذا؟ ليس هناك ما اخشاه؟"

" انت خبل يابني. هناك انتفاضة، لا احد آمن. نحن جميعا في نفس القارب!"
" سأحمي نفسي ! لدي وقت كي أراهم قادمين!
اخذ الدركي يضحك فغطى فجأةشاربه اسنانه البيض وقال ساخرا: "لديك وقت!" طيب هذا تماما ما كنت اقوله " يبدوانك قد دعكك الزمن قليلا وهذا يجعلني احبك يا بني احب الشخص الذي دعكه الزمن!"
واخرج مسدسه ووضعه على المنضدة وقال " احتفظ به" انا لا احتاج الى سلاحين من هنا الى العامر
لمع المسدس فوق دهان الطاولةالاسود . وعندما استدار الدركي نحو المدير اشتم المدير رائحة جلد ورائحة لحم الخيل!
قال المدير: " اسمع يا بالدوتشي: كلهذا يثير اشمئزازي بداية من هذا الرجل فانا لن اسلّمه! قد اقاتل : نعمإذا اضطررت لذلك، لكن لن اسلّمه!
وقف الدركي في وجهه وقال ببطء: انت تتحامق! وانا اكره ذلك أيضا فليس من السهل لي الاعتياد على تقييد رجل بحبل حتى وان مارست ذلك سينين طويلة بل اشعر بالخزي نعم الخزي من نفسي . لكن لن ادعهم يفعلوا ما يريدون على كيفهم!
قال المدير : لن اسلّمه... لن اسلَمه
" هذا امر ....اكرر ....هذا امر"
" طيب كرر لهم ماقلت لك الان : لن اسلّمه
بذل الدركي جهدا واضحا للتفكير ونظر الى العربي والمدير وأخيرا قرر قائلا:
" لا لن أقول لهم أي شيء فان اردت توصيلنا فهيا وانا لن الومك و ما افعله امر لابد من تنفيذه لابد من تسلّيم السحين وهذا ما افعلهلكن وقّع هذه الورقة!
" لا داعي لذلك فانا لن انكر انك قد تركته عندي "

" انا اعرف انك لن تتصرف بحقارة معي ! انا اعرف انك رجل من ديار رجال ، لكن لابد ان توقع الورقة.... هذا القانون!"
فتح المدير درجه واخرج قارورة فيهاحبر ارجواني وحمالة قلم خشبية حمراء صغيرة وبقلم الدركي كتب نماذج من خط يده موقعا الورقة! وطبق الدركي الورقة ووضعها بعناية في محفظته واتجه نحو الباب!
قال المدير : دعني اشيّعك!"
قال الدركي :" لا... لا حاجة ان تكون مهذبا ، فقد اهنتني" واستدار نحو العربي ، و واخذ يستنشق الهواء بغيظ وذهب بعيدا نحو الباب وقال" الوداع يا بني!" وصفق الباب خلفه ولم يصدر صدى لخطواته اذ كتم الثلج الصوت وجال الحصان عند الجانب الاخر من السور ورفرفت بضع دجاجات اجنحتها مذعورة وبعد لحظات ظهر الدركي عند النافذة يقود حصانه بلجامه واتجه نحو المرتفع الصغير ثم اختفى وراء الأفق!
وعاد المدير الى السجين الذي بقي ساكنا يراقب المدير فقال المدير باللغة العربية: انتظر" وذهب الى غرفة النوم وبينما كان يدخل الباب طرأت له فكرة ثانية فعاد الى المقعد وتناول المسدس وحشره في جيبه ودخل غرفته دون ان ينظر الى الخلف!
استلقى على الأريكة بعض الوقت يراقب السماء تقترب رويدا رويدا متذكرا الصمتالرهيب الأليم من حوله الذي ساد في يامه الأولى في ذاك المكان بعد أن وضعت الحرب اوزارها. لقد طلب اقامة نقطة تدريس في البلدة الصغيرة في اسقل التلال التي تفصل الهضاب العليا عن الصحراء والأسوار كان بعضها اخضر وأسود الى الشمال
وزهري وليلكي الى الجنوب وقد كانت علامة حدود الصيف الخالد. وقد تم تعينه في مركز ابعد الى الشمال في الهضبة نفسها . في البداية كانت العزلة والصمت صعبة عليه في تلك الأرض اليباب التي لا يسكنها الا الحجارة. احيانا في البدايات كانت الاخاديد تعني له الزراعة لكنها قد حفرت من اجل البحث عن نوع جيد من حجارة البناء واما الحصاد الوحيد هناك فقد كان الصخر. وحسب الاخاديد مؤشرا الى الزراعة لكنه اكتشف ان الاخاديد تلك قد حفرت من اجل الحصول على حجارة بناءجيدة فالحرث الوحيد هو الحصول على صخور البناء . وفي الأماكن المنخفضة حيث تراكمت طبقات رقيقة من التربة كان الناس يزيحون التربة ويحملونه لأثراءتربة الحدائق وهكذا كانت الحياة هناك فثلتي الهضبة غطتها الصخور المكشوفة ورغم ذلك قامت بلدات وازدهرت وعاش فيها الناس لكنهم اقتتلوا قتالا مريرا فبادوا واندثروا. والان فيتلك الصحراء لا اهمية لاحد ، لا هو ولا ضيفه أيضا،رغم ذلك قد ادرك المدير انه لا عيش له خارج ذلك المكان!
وعندما نهض من النوم لم يسمع أي صوت من غرفة الصف فراودته فكرة ممتعة- لقد هرب العربي واراحه من اتخاذ أي قرار بشأنه. لكن فوجي بوجود السجين ممدا بين المدفأة والمقعد محملقافي السقف وشفتاه فوق بعضهما البعض فبدى عابسا! قال المدير :" تعال "
نهض العربي وتبعه الى غرفة النوم فاشار المدير اليه ان يجلس على كرسي تحت النافذة قريبا من الطاولة فجلس العربي دون ان يحول نظره عن المدير .
ساله المدير : انت جائع؟
فقتال العربي:" نعم"
اعد داروا الطاولة لشخصين واخذ دقيقا وزيتا وشكل كعكة في مقلاة واشعل الفرن الذي يعمل بالغاز المعبأ بالقوارير ثم خرج الى السقيفة كي يحضر شيئا من الجبنة والبيض والتمر والحليب المكثف وعندما نضجت الكعكة وضعها على عتبة النافذة كي تبرد ثم سخن قليلا من الحليب المكثف بعد ان مزجه بقليل من الماءٍ ثم مزج البيض الى عجة وفي احدى حركاته ارتطمت يده بالمسدس المدسوس في جيبه الايمن فوضع الجفنة على الأرض ودخل غرفة الصف، وضع المسدس في الدُرج الخاص به وعندما عاد الى الغرفة كان الليل يخيم على الديار . اشعل الانوار وقدم الكيك للعربي قائلا: "هيا... كُلْ " تناول العربي قطعة من الكيك ورفعها بتوق لكنه توقف قليلا وسأل :" وأنت؟" قال المدير:" من بعدك انا سوف اكل بعدك! انا سوف اكل بعدك "
انفرجت الشفتان السميكتان قليلا ، تردد العربي قليلا لكنه غزر اسنانه عميقا في الكعكة!
بعد انتهاء الوجبة نظر العربي الى المدير و سأل : "انت القاضي.؟"

قال المدير:" لا... لكني فقط احتفظ بك للغد"
قال العربي: اذن لماذا تأكل معي؟"
" لأني جائع"
صمت العربي ونهض المدير وخرج. وعاد يحمل سرير ارجوحة ونصبه بين الطاولة والموقد في زوايا ملائمة لسريره الخاص و حقيبة سفر كبيرة منتصبة في زاوية استخدمت كرف للحفظ الصحف. اخرج بطانيتين ورتبهما في السرير . توقف بعد ان شعر ان ذلك غير مفيد وجلس على سريره . لكن هناك عمل اخر سيقوم به و يتسعد للاتي . لم ير شيئا غير عينين سوداوين لامعتين وفم حيوان
سأل بجفاء:" لماذا قتلته؟" اذهلت نبرة الصوت العدائية العربي!
" لقد هرب راكضا بعيدا لكني ركضت خلفه"!
نظر العربي بعينين مذعورتين سائلا :" ماذا ستفعل بي؟"
" هل انت خائف؟"
توتر العربي واشاح بعينيه بعيدا
" هل انت نادم؟"
نظر العربي فاتحا فمه الى المدير كان من الواضح انه لم يستوعب ازعاج المدير المتنامي وفي نفس الوقت احس انه أخرق مدركا ان جسمه الضخم بات محشور ا بين السريرين .
قال المدير بعصبية : تلّقح هناك ذاك هو سريرك!
لم يتحرك العربي لكنه صرخ" هيا اخبرني"

نظر اليه مدير المدرسة .
" هل سيعود الدركي غدا؟".
" لا ادري !"
هل ستاتي معنا"
" لا ادري، لماذا؟"

نهض السجين وتمدد على احدى البطانيتين واضعا قدميه نحو النافذة. وشعاع اللمبة الكهربائية الساطع في عينيه تماما فاغلقهما على الفور!
سال دارو،وهو واقف بجانب السرير :" لماذا؟"
فتح العربي عينيه تحت الضوء المبهر ونظر اليه محاولا ان يرمش وقال :" تعال معنا"

وفي منتصف الليل مازال المدير صاحيا . دخل السرير بعد ان تعرى تماما! لقد نام عريانا لكنه عندما ادرك انه عريان اخذ يتفكر وقد شعر بوهن والحاح ان يرتدي ملابسه ثم هز كتفيه للأعلى قائلا انا لست طفلا وان اقتضى الامر فانه سيشطر خصمه الى نصفين. ومن سريره شاهده نائما على ظهره في السرير بلا حراك وعينيه مغلقتين بفعل الضوء الساطع المؤذي وعندما اطفأ الانوار شعر داروأن الليل قد تجمد فجأة . لكن الليل دبت فيه الحياة شيئا فشيئا فرأى من النافذة السماء الخالية من النجوم بدت تتحرك بلطف ! و ادرك المدير ان الجسد المستلقي عند قدميه على السرير هو العربي بلا حراك وبدت عيناه مفتو حتين و نسمات ضعيفة تهب في ارجاء المدرسة فربما تقل الغيوم بعيدا وتشرق الشمس من جديد!
وخلال الليل اشتدت الريح ورفرفت أجنحة الدجاج ثم سكنت واستدار العربي على جنبه مديرا ظهره لداور الذي ظن انه سمعه يئن! ثم اصغى لتنفس ضيفه الذي اصبح قريبا جدا منه بانتظام اكبر! تفكر دارو بعدم مقدرته على النوم في الغرفة التي نام فيها وحيدا كل ليلة لمدة سنة لكن بوجود هذا الشخص معه فيها لم يستطع النوم تلك الليلة حيث أقلقه وجوده معه!
لقد أهمه وجود أُخّوة مفروضة عليه فهو يرفضها في الظروف الراهنة رغم انه معتاد عليها ، فالرجال الذين يعيشون في نفس الغرفة جنودا كانواأم سجناء يشكلون تحالفات غريبة كما لو انهم تخلصوا من أسلحتهم و ثيابهم وفي كل مساء يتآخون متناسين الفروق و الشقاق بينهم! ويتشاطرون نفس الاحلام والاماني .
لكن داروهز راسه فهو لم يكن يحب التفكير في ذلك وكان من الضروري له ان ينام !
بعد فترة قصيرة عندما تحرك العربي قليلا كان المدير ما زال صاحيا. وعندما تحرك العربي ثانية توتر المدير واخذ الحذر . كان العربي يرفع نفسه على ذراعيه بحركة الذي يسير وهو نائم . وجلس منتصبا في سريره انتظر بلا حراك دون ان يلتفت الى المدير كما لو انه كان يصغي منتبها . لم يتحرك دارو لكنه تذكر فقط ان المسدس مازال في درج المقعد. كان من الأفضل له ان يتصرف فورا ومع ذلك استمر في مراقبة السجين الذي كانت حركته انزلاقية واضعا قدميه على الأرض وانتظر ثانية ثم نهض ببطء كاد المدير ان يصرخ فيه عندما بدا المشي بطريقة طبيعية هادئة فوق العادة كان متجها الى الباب في نهاية الغرفة المؤدي الى السقيفة . رفع مزلاج الباب بعناية وخرج دافعا الباب خلفه دون ان يغلقه.
لم يحرك المدير ساكنا لكنه قال في نفسه " انه يهرب ويعدو بعيدا" " خلاص جيد" لكنه اصغى بحذر . فالدجاج لم يكن يرفرف اجنحته ويجب الان يكون الضيف بعيدا في الهضبة لكن طرق سمعه خرير ماء ضعيف فلم يدرك كنهه حتى شاهد العربي واقفا كانه صورة في اطار الباب ثم اغلق الباب بحرص ثم عاد الى السرير دون احداث أي صوت! ثم ادار المدير ظهره له وراح في النوم! وهو يغط عميقا في النوم خيل اليه ان شخصا يسعى بخطى حذرة حول سور المدرسة. قال لنفسه:" انا احلم ، انا احلم" واستمر في النوم!
وعندما افاق كانت السماء صافية وهبت نسمات نقية باردة عبر النافذة المفتوحة مازال العربي نائما و قد تكوم متكعوشافي السريرتحت البطانيات وفمه مفتوح ومرتاح تماما ! لكن عندما حركه المدير هب مذعورا محملقا به كما لو انه لم يره من قبل والذعر شديد على وجهه حتى ان المدير قد تراجع الى الخلف مبتعدا عنه قائلا: "هذا انا ، لا تخف يجب ان تأكل." نغض العربي رأسه بالإيجاب! وبدى الهدوء على وجهه ثانية لكن تعابير وجه كانت باهتة فاترة
احتسى الاثنان القهوة وجلسا معا في السرير الارجوحة يقضمان قطع الكيكثم اقتاد المدير العربي الى السقيفة و أراه الصنبور الذي يغتسل عنده وعاد الى الغرفة وطوى البطانيات في سرير الارجوحة ورتبها في الغرفة! ثم دخل غرفة الصف ومنها الى الممر الاسمنتي . كانت الشمس صاعدة في كبد السماء الزرقاء وقد اضاءت بأشعتها البهية الهضبة المهجورة . وعلى سلسلة التلال تبدد الثلج في بقاع متناثرة فوق التلال! اوشكت الحجارة على البروز ثانية . جاثيا على ركيته، نظر المدير الى امتداد الهضبة المهجورة متفكرا في الدركي فهو قد اساء اليه إذ ودّعه كانه يريد ان يقطع علاقته به فمازالت كلمات وداع الدركي تتردد في سمعه لكن دون ان يعرف السبب الذي يجعله يشعر بالخواء و الوهن.
في تلك اللحظة سمع العربي يسعل فيالجانب الاخر من المدرسة فأصغى اليه المدير دون إرادة منه ثم بغضب شديد قذف بحجر سمع حفيفه في الهواء ثم استقر في كومة ثلج! ان ثم تفكر: جريم العربي شيء لكن تسليمه شيء آخر مناف للشرف ومجرد التفكير فيذلك جعله يغلي لشعوره بالإهانة وفي ذات الوقت لعن بني جنسه الذين ارسلوا اليه هذا العربي الذي اقدم على القتل ولا يجرؤ الان على الهرب!
نهض المدير ودار في الممر ثم انتظر بلا حراك ثم دخل في غرفة الصف!
كان العربي منحنيا فوق الارضية الاسمنتية ينظف اسنانه بإصبعين . نظر اليه المدير وقال: " تعال" وعاد الى الغرفة سابقا السجين، وارتدى سترة صيد فوق سترته ولبس حذاء المشي! وقف حتى اكمل العربي لباسه عمته و صندله ودخلا فيغرفة الصف فأشار المدير الى المخرج وقال : هيا امضِ لكن العربي لم يتزحزح . فقال المدير :" أنا قادم" فحرج العربي لكن دارو عاد داخلا الغرفة واخذ صرة وضع فيها قطع خبز محمص وتمر وسكر وفي غرفة الصف تردد قليلا امام المقعد ثم تخطى العتبة واغلق الباب. وقال " تلك الطريق " وانطلق نحو الشرق يتبعه السجين وبعد مسافة قصيرة من المدرسة خيلاليه انه سمع صوتا خلفه فعاد قاصا اثر خطاه ثم اخذ يفتش محيط مبنى المدرسة ؛ لم يجد أحدا هناك . راقبه العربي لكن دون ان يدرك شيئا . قال دارو : هيا "
سارا حوالى ساعة ثم استراحا بجانب مسلة جيرية حادة . كان الثلج يذوب غزيرا وكانت الشمس تجفف البرك المتشكلة منظفة الهضبة التي جفت رويدا رويدا وتبخرت في الهواء وعندما استأنفا السير رنّت الأرض تحت اقدامهما ومن وقت لأخر كان طائر يفر من امامها بزعيق بهيج . احس دارو بموجة زهو تغمره لرؤيته امتداد الصحراء الطبيعي برمالها الصفراء اللامعة تحت قبة السماء الزرقاء! وسارا ساعة أخرى ينحدران جنوبا ثم وصلا مرتفعا منبسطا مكونامن الصخور المتصدعة .من هناك انحدرت الهضبة - شرقا نحو سهل فيه قليل من أشجار شاهقة ونتوءات صخرية جعلت المناظر الطبيعية تبدو فوضوية.
مسح دارو بنظره الاتجاهين فلم يشاهد أي انسان ثم استدار نحو العربي الذي كان ينظر اليه بِحَيْرَة . وقدم دارو الصرة اليه قائلا :" خذها! فيها تمر وسكر وخبز بوسعك التعايش يومين واليك الف فرانك ايضا !
اخذ العربي الصرة والفرنكات لكنه وضع يديه المملوئتين على صدره محتارا فيما يفعل بما قدم له . "
قال المدير: انظر مشيرا الى الشرق هناك الطريق الى -تينغويت- حيث الإدارة والشرطة وهم يتوقعون قدومك اليهم وانت تحتاج الى ساعتين ماشيا!‍
نطر العربي الى الشرق وهو مايزال يمسك بالصرة بيديه الى صدره امسك داروا بذراعه واداره بعنف جنوبا... وفي اسفل المر تفع الذي وقفا عليه شاهدا طريقا باهتا فقال المدير: ذاك الممر عبر الهضبة وبمسير يوم من هنا ستجد أراضي المراعي واوائل البدو الرحل فهم سيأخذونك ويحمونك حسب تقاليدهم!

واستدار العربي نحو المدير والذعر يعلو وجهه
وقال: "اسمع"
هز المدير راسه قائلا" : لا... اهدأ وانا الان اتركك هنا ." وادار ظهره له! وخطى خطوتين واسعتين تجاه المدرسة! ونظر بتردد نحو العربي الذي لم يحرك ساكنا وانطلق ثانية ! ومضت دقائق دون ان يسمع اي صوت الا وقع خطاه على الارض الجافة الباردة ولم يدر راسه نحوه! وبعد دقيقة التفت و شاهد العربي في مكانه على حافة التلة يلّوح بذراعيه ناظر الى المدير فشعر دارو ان شيئا يرتفع الى حنجرته لكنه شتم نافذا الصبر ولوح بيديه بغموض وواصل السير كرة أخرى وقطع مسافة ثم توقف! ونظر فلم يشاهد أحدا على التلة!
تردد دارو اذ كانت الشمس عالية في كبد السماء واخذت ترسل اشعتها الحارة تلذع رأسه! اخذ المدير يقص اثر خطاه في البداية دون تأكيد وعندما وصل التلة الصغيرة كان يسبح في عرقه!صعد التلة بقدر ما استطاع من السرعة ثم توقف على قمتها وقد انقطع نفسه! برزت حقول الصخور بحدة في اشعة الشمس تحت السماء الزرقاء وفي السهل الذي يقع شرقا كان البخار يتصاعد بفعل الحرارة وفي ذلك الضباب الخفيف تتبع المدير اثر خطى السجين ببطء نحو السجن .
بعد مدة وجيزة وقف المدير امام نافذة غرفة الصف وقف المدير متأملا النور الساطع الذي أضاء سطح الهضبة كلها. وخلفه على اللوح الأسود تناثرت الكلمات المكتوبة بخط اخرق بين الأنهار الفرنسية المرسومة على اللوح الأسود كانت الكلمات:: لقد سلمت للتو اخاك ولتدفعن الثمن!" نظر دارو الى السماء الزرقاء ومن بعدذلك الى ماوراء الافق حيث تمتد أراض واسعة لا ترى نهايتها التي تمتد حتى البحر. في هذ المنظر الطبيعي الشاسع الذي عشق وجد نفسه وحيدا دون انيس!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد